والتحقيق انه مشتق من الوكالة يقال : وكل امره إلى فلان اى فوضه واعتمد عليه ، ويسمى الموكول إليه وكيلا ويسمى المفوض امره إليه متوكلا عليه ، وفي الأدعية :
رب انى توكلت عليك وفوضت امرى أليك ، فكان الثاني تفسير للأول ، ثم إن الوكيل لا يكون وكيلا معتمدا عليه مفوضا إليه الا بعد ان يعرف فيه المتوكل عليه المطمئن قلبه إليه أمورا ثلاثة : غاية الهداية وغاية القوة والقدرة وغاية الشفقة .
اما الهداية فليعلم نحو الخير والمصلحة في أمور الوكيل « 1 » .
واما غاية القوة فليقدر على امضاء كل ما يعلم الخير والمصلحة في حق الوكيل « 1 » وعلى اعلامه والتصريح به من غير تقية عن أحد أو جبن في القلب .
واما غاية الشفقة والمحبة فليكون باعثا له على بذل كل ما يقدر عليه من السعي في حقه ، فان قدرته لا يكفى دون العناية به إذا لم يكن يهمه امره ولا يبالي به ظفر بمقصوده أو لم يظفر ، فإذا شك المتوكل في هذه الأمور أو في واحد منها لم يطمئن نفسه إلى وكيله ويكون تفاوت أحواله في شدة الثقة والطمأنينة بحسب تفاوت قوة اعتقاده لهذه الخصال في الوكيل ، وتفاوت الظنون في القوة والضعف تفاوتا غير محصور في حد إلى أن ينتهى إلى حد اليقين ، فلا جرم يتفاوت أحوال المتوكلين في قوة الطمأنينة تفاوتا لا تحصى .
فإذا عرفت معنى التوكل في مثال واحد جزئي هاهنا فقس عليه التوكل على اللّه تعالى ، فان ثبت في نفسك بكشف أو اعتقاد جازم انه لا فاعل مستقل الا اللّه واعتقدت مع ذلك تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ، ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد والآحاد وانه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ، ولا وراء غاية علمه علم ولا وراء نهاية عنايته ورحمته عناية ورحمة ، اتكل قلبك لا محالة عليه وحده ولم يلتفت إلى غيره بوجه ولا إلى نفسك وحولك وقوتك فإنه لا حول ولا قوة الا باللّه ، فان الحول عبارة عن الحركة والقوة عبارة عن القدرة .
فان كنت لا تجد من نفسك هذه الحالة اى الاعتماد والثقة باللّه فسببه أحد الامرين :
هامش
( 1 ) المتوكل ( النسخة البدل في الأصل للشارح ) .