اما ضعف اليقين بأحد هذه الخصال المذكورة واما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه ، قرب متيقن في شيء لا يقدر على العمل بمقتضاه لاستيلاء الوهم عليه والوسواس ، فيزعجه الوهم ، كمن لا يمكنه التفرد بميت في بيت ويتمكن على التفرد بجماد مع يقينه بان الميت أيضا جماد .
فكم يقين لا طمأنينة معه كما في قوله تعالى ،
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
( البقرة - 260 ) ، وكم من مطمئن القلب لا يقين معه كاليهود في تهوده والنصراني في تنصره ؟ وانما : يتبعون الظن
وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى
( النجم - 23 ) ، وهو سبب اليقين الا انهم عنه معرضون ، فالجبن وضعف القلب أحد الأسباب المضادة لحال التوكل كما أن ضعف اليقين بالخصال المذكورة أحد الأسباب ، فإذا اجتمعت هذه الأسباب حصلت الثقة باللّه والاعتماد عليه والاطمئنان به .
ثم اعلم : ان هذه الحالة لها في القوة والضعف ثلاث درجات : أوليها : ما ذكرناه وهو ان حاله في حق اللّه والثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل .
الثانية : وهي أقوى أن تكون حاله مع اللّه تعالى كحال الطفل مع أمه ، فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى سواها ولا يعتمد الا عليها ، وان نابه « 1 » امر في غيبتها كان اوّل سابق إلى لسانه يا أماه ، واوّل خاطر يخطر على قلبه أمه ، فإنها مفزعه ، وقد وثق بكفالتها وشفقتها ثقة لا يخلو عن ادراك بالتميز له وان لم يقدر على التلفظ به ولا على احضاره في ذهنه مفصلا ، ولكن كل ذلك وراء أصل الادراك ويظن أنه طبع في حق الطفل ، فمن كان توليه إلى اللّه ونظره إليه كان متوكلا حقا فان الطفل متوكل على أمه ، والفرق بينهما : ان هذا متوكل قد فنى في توكله إذ ليس يلتفت إلى التوكل وماهيته بل إلى المتوكل عليه فقط .
واما الأول فيتوكل بالتكلف والكسب وليس فانيا عن توكله وشعوره ، وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده لأنه غيره .
الثالثة : وهي أعلاها ان يكون بين يدي اللّه في حركاته وسكناته كالميت بين
هامش
( 1 ) النوب : نزول الامر .