عليك بما أنعم كالقوة وصحة البدن وسلامة الأعضاء والمال والبنين والخدم وغيرها فيتصور فرحك بكل منها على وجوه :
أحدها : ان يفرح به من حيث إنه لذيذ موافق لغرض النفس .
وثانيها : ان يفرح به من حيث إنه دال على عنايته بك ورحمته عليك .
وثالثها : ان يفرح به لان تستعمله في طاعة اللّه وترتقى به إلى درجة القرب منه .
فهذه ثلاث درجات في الابتهاج بنعم اللّه ، فالأول لا يدخل فيه معنى الشكر أصلا ، لان غرضك مقصور على هواء نفسك بالنعمة لا بالمنعم وهذا حال أكثر الناس ، والثاني داخل في معنى الشكر من حيث إنه فرح بالمنعم ولكن لا من حيث ذاته بل من حيث معرفة عنايته الدالة « 1 » على انعامه في المستقبل وهذا حال أكثر الصالحين الذين يعبدون اللّه ويشكرونه خوفا من عقابه ورجاء لثوابه .
واما الفرح الثالث فهو الشكر التام الّذي في الفرح ، وهو ان يكون فرح العبد بنعمة اللّه من حيث إنه يقدر بها على التوصل إلى القرب به والنزول في جواره والنظر إلى وجهه الكريم على الدوام ، فهذا هو الرتبة العلياء في هذا الركن من الشكر وعلامته ان لا يفرح الانسان من الدنيا الا بما هو مزرعة الآخرة أو وسيلة إلى القرب منه تعالى .
الركن الثالث العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة النعمة بما هي دالة على عناية المنعم بعبده وتربيته إياه وبما هي وسيلة له إلى ما يقربه إليه تعالى . وهذا العمل يتعلق بقلبه ولسانه وجوارحه ، اما عمل القلب فالنية والقصد للخير والاحسان إلى كافة الخلق والتفكر في صنائع اللّه وآثار لطفه ورحمته ، واما عمل اللسان فاظهار الشكر بالتحميدات الدالة عليه ، واما عمل الجوارح فاستعمال نعمة اللّه في طاعته والتوقي من استعمالها أو الاستعانة بها في معصية اللّه حتى أن شكر العينين استعمالهما في مطالعة صنع اللّه وتلاوة كتابه وشكر الاذنين استعمالهما في سماع آيات اللّه وأحاديث نبيه وآله عليهم السلام وهكذا في كل نعمة سواء كانت قوة أو جارحة أو مالا .
فهذا بيان أركان الشكر الّذي هو جند من جنود العقل وحزب الملك ،
و
هامش
( 1 ) الباعثة ( النسخة البدل في الأصل للشارح ) .