يعلم بالمقايسة أركان ضده الّذي هو الكفران الّذي هو جند من جنود الجهل وحزب الشيطان فهو أيضا ينتظم من ثلاثة أمور : الجهل : وهو الأصل والعمدة وينشأ منه الحال ثم العمل .
اما الجهل فهو عدم معرفة النعمة ولا المنعم وانعامه ، فلم ير النعمة نعمة أو لم يرها من المنعم بل من غيره .
واما الحال المستثمرة من هذا الجهل فسوء الظن بالمنعم والتوحش منه .
واما العمل فبالقلب القصد إلى المعاصي وباللسان الشكاية والمذمة وبالجوارح صرف كل نعمة في خلاف ما هي لأجله وفيما يوجب البعد عن رحمته والهوى إلى دار عذابه وسجن غضبه أعاذنا اللّه وسائر المسلمين من النار .
قوله عليه السلام : « والطمع وضده اليأس » ، من الصفات الحميدة للمؤمن العاقل الطمع وهو ان يتوقع دائما من ربه ان يغفر خطيئته ويدعوه تعالى ان يجود عليه باحسانه ويدخله الجنة ورضوانه كما في قوله تعالى حكاية عن خليله عليه السلام :
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
( الشعراء - 82 - 85 ) ، ومن هذا الباب الأدعية المأثورة عن النبي وآله عليهم السلام . وضده اليأس عن رحمة اللّه وهو من أعظم الكبائر قال تعالى :
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
( يوسف - 87 ) ، وقال :
يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ
( الممتحنة - 13 ) .
قوله عليه السلام : « والتوكل وضده الحرص » ، اعلم أن التوكل منزلة من منازل الدين ومقام من مقامات السالكين بل هو من أعالي درجات المقربين ، لأنه غامض دقيق من حيث العلم وهو شاق من حيث العمل ، ووجه غموضه من حيث الادراك : ان ملاحظة الوسائط والأسباب والاعتماد عليها شرك في التوحيد والتباعد عنها بالكلية ترك للأدب والشريعة ، فتحقيق معنى التوكل على وجه يوافق التوحيد والعدل ويطابق الشرع في غاية الغموض والصعوبة ولا يقوى على كشفه وتحقيقه الا الراسخ في العلم المكتحل بصيرته العقلية من فضل اللّه بأنوار الحقائق .