فإذا ظهر وتبين ان من أعظم جنود العقل بعد الخير والايمان هو العدل ومن أعظم جنود الجهل الّذي هو ضد العقل بعد الشر والكفر هو الجور المضاد للعدل ، لان العدل كمال التقوى وغاية الاعمال الحسنة والأحوال المزكية للنفس والموصوف به هو العقل العملي رئيس سائر القوى العملية .
كما أن الخير الحقيقي وهو الايمان غاية العلوم الحقيقية والأحوال المكملة للنفس والموصوف به هو العقل النظري مخدوم العقل العملي وسائر القوى العلمية والعملية ، وكذلك الظلم والجور والعدوان غاية الاعمال القبيحة والسيئات المغوية المضلة للنفس والمكدرة لها .
كما أن الشر الحقيقي وهو الكفر غاية الجهالات والأحوال المظلمة للنفس المسودة لوجهها والموصوف به هو النفس المنكوسة المحجوبة عن الحق المبين المردودة إلى أسفل السافلين ، وهي بحسبه رئيس المؤذيات والشرور وتحته سائر الاخلاق الذميمة والشرور والسيئات وسنشير إلى كيفية المطاردة بين هذين الرئيسين العمليين ، والجندين المتقابلين تحتهما في معسكر الباطن الانساني وعرصة القلب .
قوله عليه السلام : « والرضاء وضده السخط » .
من جملة المقامات الشريفة للعقل هو الرضاء بقضاء اللّه تعالى وترك الشكاية وضده السخط ، بل الرضاء من أعلى مقامات المقربين لأنه ثمرة المحبة فيجب على كل مؤمن ان يرضى بقضاء اللّه تعالى في كل ما قضاه وقدره ، قال تعالى :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ *
( المجادلة - 22 ) ، وقال :
وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
( التوبة - 72 ) ، فقد رفع اللّه الرضاء فوق جنات عدن كما رفع ذكره تعالى فوق الصلاة حيث قال :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
( العنكبوت - 45 ) .
فكما ان مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة ، فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة بل هي غاية مطلب سكان الجنان ، وإذا رضى العبد عن اللّه رضى اللّه عنه ، وعلى جميع ما ذكرناه يقاس حال ضده الّذي هو السخط ، فسخط العبد على اللّه يوجب سخط اللّه