الخير فكل ما يصدر عن ذاته من الافعال والآثار كان على وجه الخير إذ كان منشأ صدورها عنه خيرية ذاته ، فالخير كأنه واسطة بين العقل وما يصدر عنه كما أن وزير - الملك واسطة في جود الملك واحسانه ، ولذلك جعل الخير وزير العقل وان كان عين ذاته بوجه .
وكذلك نقول : من أخص صفات هذا الجهل المضاد للعقل هو الشر ، لان المراد به كما أشرنا إليه هو الجوهر الادراكي الّذي هو وجوده بعينه وجود الجهالات والوهميات الكاذبة فلا يكون الا شرا حقيقيا كما مر بيانه في مثال الألم ، فكل ما يصدر من هذا الجوهر الشرير من الافعال والآثار يكون من باب السيئات والقبائح ويكون منشأ صدورها شرية ذاته ، إذ ليست فيه جهة أخرى فلا داعى له ولا واسطة بينه وبين افعاله الا شرية ذاته ، ولذلك جعل الشر وزيرا له كما جعل ضده وزيرا لضده .
قوله عليه السلام : « والايمان وضده الكفر » ، الايمان نور من أنوار اللّه فائض منه على قلب من يشاء من عباده به يرى الأشياء كما هي ، وهو المسمى عند الحكماء تارة بالحكمة النظرية يعنون بها ملكة بها يقتدر الانسان على احضار المعلومات الحقة متى شاء من غير تجشم كسب جديد ، وتارة بكمال العقل النظري أو القوة النظرية وتارة بالعقل بالفعل وتارة بالعقل البسيط الاجمالي .
والكفر الّذي هو ضده هو ملكة ظلمانية حاصلة في النفس من كثرة الاغلوطات وتراكم الشبهات وتزاحم الوهميات ورسوخها ، فتصير تلك الملكة الظلمانية حجابا عن ادراك كل حق وعمى في عين القلب عن رؤية كل مستنير مكشوف وصمما في الاذن العقلي عن سماع كل كلام صادق .
اعلم : ان الّذي قلنا من أن الايمان نور وان الكفر ظلمة شاهده من القرآن قوله تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ
( البقرة - 257 ) ، وقوله تعالى :
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ . . .
( الحديد - 13 ) ، الآية ، وقد عبر عنهما في لسان القرآن بالحياة والموت كما في قوله تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ