الألم والأذى صح كونه شرا بالحقيقة ، لان وجوده عين درك العدم وحضوره لا شيء زائد عليه ، إذ العلوم الحضورية ليست زائدة على ماهيات المعلومات بها . مثال ذلك : ان العضو المقطوع ليس فيه الألم لعدم القوة المدركة فيه ، وكذا العضو المفلوج الزمن لعدم سريان القوة اللامسة فيه ، فليس ما هو المتضرر هو بعينه ما هو المدرك لما يتضرر به ، واما العضو الحي إذا قطع بعضه أو احرق حرقة أو تكيف بكيفية سمية زال بها اعتدال مزاجه ، فان فيه شيئان :
أحدهما : زوال اتصاله أو فقدان اعتداله .
والثاني : ادراكه لذلك الزوال والفقدان .
والمدرك بالكسر هو نفس القوة الاعتدالية التي وقع عليها ما وقع من الانفصال أو زوال الاعتدال ، اعني لامسة العضو أو النفس المتعلقة بالعضو بواسطتها ، والمدرك بالفتح هو نفس ذلك الانفصال أو الزوال الّذي هو عدم الكمال العضوي من الاتصال والاعتدال كما في العلوم الحضورية للأشياء المحصلة الوجود الكاملة ، سواء أدرك مع ذلك السبب الوجودي المضاد كحد القاطع أو الكيفية الحادة السورة كالحر الشديد أو البرد الشديد ويقال لها سوء المزاج أم لا ، ولا شك ان هذه الأسباب الوجودية ليست بشرور في أنفسها وانما تعد شرورا بالقياس إلى ما يتضرر بها وينعدم كمالاتها بسببها .
انما الكلام في امرين آخرين : أحدهما : نفس تلك الاعدام الحاصلة ولا شك في انها شر بالذات .
وثانيهما : ادراك تلك الاعدام عما وقعت له على الوجه الّذي بيناه ، حتى أنه لو أدرك تفرق اتصال عضو بقوة ادراكية أخرى غير لامسة ذلك العضو كالباصرة أو لامسة عضو اخر ، لم يكن ذلك الادراك الادراك الّذي كلامنا فيه وهو المسمى بالألم والعذاب .
والتحقيق عندي انه شر بالذات بل شر متأكد ، فان وجود كل معنى هو تأكد ذاته وماهيته ، ففي هذا النوع شر مضاعف ، ثم كلما كانت القوة المدركة لفقد كمالها أقوى
شرح أصول الكافي — صفحة 414
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤١٤