واما عند انقضاء الأجل والخروج من دار الدنيا التي هي دار العمل فلا فائدة فيه .
واما الرجاء فهي باقية ابدا إلى يوم القيامة لا ينقطع ، لان كلما نال العقل من رحمة اللّه أكثر كان ازدياد طمعه فيما عند اللّه واشتداد رجاؤه أكثر ، لان خزائن جوده وخيره ورحمته غير متناهية لا تبيد ولا تنقص ابدا . فثبت ان الخوف منقطع والرجاء ابدى لا يزول .
قوله عليه السلام : « والعدل وضده الجور » .
اعلم أنه قد ظهر وتبين لك من هذا الحديث الشريف : ان العقل بمنزلة سلطان « 1 » وهذه الفضائل الخمسة والسبعين بمنزلة جنوده وأعوانه ، لكن يجب لك ان تعلم أن هذه الجنود والأعوان ليست بمنزلة واحدة بل بعضها بمنزلة « 2 » الرئيس والأصل لبعض والبعض الاخر بمنزلة الخدم والفروع له ، فالعدالة المعبر عنها بحسن الخلق هي بمنزلة الرئيس لسائر الجنود العملية وهي أصل تنشعب منه فروع كثيرة من الاخلاق الحسنة ، وكذلك جنود الجهل كثير بعضها ينشعب من بعض والبعض بمنزلة الأصل والرئيس وهي اعني العدالة في القلب كاعتدال المزاج في القالب .
فكما ان الاعتدال في مزاج البدن اعني الصحة والسلامة انما يتحقق ويستمر إذا زالت الأمراض كلها عن البدن ، فكذلك الأمراض القلبية وهي الاخلاق الذميمة كثيرة ولا يحصل السلامة والصحة الا بزوال كلها ولا ينجو الا من اتى اللّه بقلب سليم ، والسلامة المطلقة هي العدالة المعبر عنها بالخلق الحسن .
كما أن حسن الخلق بالفتح انما يحصل بحسن جميع الأعضاء والأطراف ، لا يكفى فيه حسن بعض الأعضاء دون البعض ، فكذلك حسن الخلق بالضم الّذي به النجاة من العذاب الأخروي انما يحصل بحسن الاخلاق كلها دون البعض ، فان ذمائم الاخلاق بعضها ينجر إلى البعض ، والنجاة في حسن الخلق .
هامش
( 1 ) السلطان ( خ ) .
( 2 ) ان بعض هذه الجنود بمنزلة . . . ( خ - ط ) .