المحض وبين عالم التغير والتجدد نفوسا كانت المتغيرات أو أجساما ، ومفهوم الرحمة المشهور في اللغة رقة القلب المقتضية للعطوفة على غيره ، وما يليق به تعالى من هذا المعنى ايجاده وتأثيره في الأشياء المتغيرة التي لها استكمالات ذاتية أو عرضية زائدة على أصل تجوهرها وفطرتها الأولى ، لان مصدر المتغيرات عندنا فاعل متغير لا يفعل شيئا الا بان ينفعل في نفسه ولا يحرك شيئا الا بان يتحرك .
والباري جل اسمه لا يتغير ذاتا ولا صفة في ايجاده للمكونات ثابتة كانت أو مستحيلة ، ولكن ايجاده تعالى للثابتات بنفس ذاته بلا وسط وللمتغيرات بواسطة العرش الّذي هو واسطة فيض الرحمن والبرزخ بين عالمي الامر والخلق .
فإيجاده للمتغيرات بواسطته عبارة عن معنى اسمه الرحمن وايجاده للأشياء لا بواسطته بل مطلقا عبارة عن إلهيته ، فالرحمانية أخص من الإلهية وتحت حيطتها ، والانسان لكونه مخلوقا على مثال اللّه تعالى ذاتا وصفة وفعلا ، فروحه الّذي من امر ربه مثال ذاته ودماغه الّذي هو معدن ادراكاته وهو ملكوته الاعلى الّذي فوق قلبه هو مثال الروحانيات التي على يمين العرش ، وقلبه الّذي مستقر نفسه مثال عرش الرحمن وصدره مثال الكرسي .
وكما أن للانسان افعالا كلية يصدر عن روحه الاعلى لا بتوسط قلبه كالافكار والتعقلات ، وافعالا جزئية تصدر عن روحه بتوسط القلب كافعال العطوفة والرأفة والغضب والشهوة والحياء والخجل والخوف والرجاء والمشي والكتابة وغيرها من الأشياء الحيوانية الشهوية والغضبية ، ولا يفعل شيئا منها الا بعد حصول اثر منه في القلب وضرب من الانفعال المناسب لذلك الفعل فيه .
فالانفعال والتأثر الّذي يوجب فعل العطوفة يطلق عليه الرحمة .
فالرحمة الانسانية لها مبدأ في القلب هو نحو الرقة واللين ، ولها غاية هي ايصال النفع إلى المرحوم عليه ، فقد يطلق اسم الرحمة على ذلك المبدأ الّذي هو انفعال خاص من الانفعالات مناسب لصورة ما يحصل منه خارجا ، وقد يطلق على تلك الغاية التي هي من باب الافعال كاطلاق الخلق على المخلوق والكتابة على المكتوب ، وكذا الحكم
شرح أصول الكافي — صفحة 401
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٠١