علموا ، راجع إلى قوم صالحين يعنى انهم انما سألوا ربهم هذا السؤال اى عدم ازاغة القلوب وإيتاء الرحمة الوهبية من لدنه ، لأنهم علموا ان القلوب مما تزيغ وتضل عن طريق الحق وتعود إلى عمائها ورداها الذين كانت عليهما .
وذلك لما مر ذكره سابقا ان النفوس البشرية كانت في التكوينات السابقة صورا طبيعية جمادية ثم نباتية ثم بهيمية إلى أن صارت بالاستحالات الذاتية والترقيات الجوهرية من حد الطبيعة إلى حد هذه النفس البشرية ، وهي أيضا جسمانية الحدوث روحانية البقاء ان ساعدها التوفيق الإلهي بالعلم والعمل ، ولما كان كلما تعلق من النفوس البشرية بعالم الطبيعة والدنيا فهو كمه « 1 » وضلال وعمى عن نور الآخرة ومشاهدة صورها الدائمة الحقة فهو أيضا في معرض هلاك ودثور ، لان الدنيا بما فيها ومعها داثرة هالكة لأنها كائنة فاسدة بالذات أو بالتبعية .
فما لم يتجرد النفس عن لباس الطبيعة ولم يتخلص عن غشاوة الدنيا لم يتخلص من الهلاك والدثور ولا ينجو من عذاب القبور وعذاب يوم النشور ، فأشار عليه السلام إلى ما هو كالبرهان على : ان القلوب متى لم تعرف عن اللّه من شأنها ان تزيغ عن الحق وتعود إلى العمى والردى وتختل قواعد ايمانه بحسب الوجهين العملي والعلمي .
فأشار إلى الأول بقوله عليه السلام . انه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه ، وعدم الخوف عن اللّه رأس جميع المعاصي والذنوب ، وسببه ان من لم يعقل عن اللّه كان ايمانه اما تقليديا محضا كايمان العوام واما ظنيا تخمينيا أو جدليا كلاميا كايمان المتكلم ، وكل ذلك لا يوجب الخوف من اللّه والخشية من عذابه .
إذ الأكثرون حيث لم يعرفوا من الأصول الحكمية ما يتعلق بكيفية الإلهية وبأحوال النفس من كونه تعالى مقدسا عن التغير والانفعال غنيا عن الخلائق وعن عبادتهم وعصيانهم ، وهو كما يقول في الحديث عنه تعالى : هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي ، وانما الّذي يصل إلى النفوس في القيامة من نتائج أخلاقهم وتبعات افعالهم للعلاقة الذاتية بين الأشياء وأسبابها فلم يخشوا منه حق خشيته .
هامش
( 1 ) عمى أو صار أعشى . تكمه في الأرض : ذهب فيها لا يدرى اين يتوجه .