تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
الموت . فثبت وتحقق ان من طلب الآخرة كانت له الدنيا والآخرة جميعا ، ومن طلب الدنيا زيادة على ما هو المكتوب لم يكن له الدنيا والآخرة . فإذا تقرر هذان الأصلان ظهران العقلاء وهم الذين علموا وتيقنوا ما ذكرناه لا بد وان يكونوا زاهدين في الدنيا راغبين في الآخرة ، فهم السعداء في النشأتين والفائزون بالكرامتين ، فعلم من ذلك ان بناء كل سعادة وسلامة وأصل كل راحة ونعمة على العقل كما نبه عليه بقوله عليه السلام : « يا هشام : من أراد الغناء بلا مال وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين فليتضرع إلى اللّه عز وجل في مسألته بان يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه ، استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغناء ابدا » . توضيح ذلك بان من كمل عقله وقوى سره كان شغله باللّه وانسه مع اللّه ونعيمه بما يرد عليه من الأنوار العقلية المبهجة والسكينات الإلهية اللذيذة ، فقنع من الدنيا بأدنى شيء يقيم بدنه ، ومن نقص عقله وأفلس باطنه عن العلم والمعرفة كان طالبا للغنى والنعمة من الخارجيات والأمور المادية الدنيوية ، ولم يعلم أن الدنيا ولذاتها أمور فانية وصور وهمية ،
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
( النور - 39 ) . فهي مما لا يسمن ولا يغنى عن الحق شيئا إذ لا حقيقة فيها ، فالعاقل يقنع منها بالكفاية ويستغنى بالحق من الخلق ، والجاهل لا يقنع بالكفاية إذ سدت عليه الطرق الا إلى الدنيا لاحتجابه بها عن الحق وبالهوى عن الهدى فيريد ان يدرك الغناء بالدنيا ولم يدركه ابدا . إذا تقرر هذا فصح ما امر به عليه السلام من الدعاء والتضرع إليه تعالى في السؤال لتكميل العقل لمن أراد الغناء بلا مال والراحة عن الحسد والسلامة في الدين ، واتضح أيضا ما فرع عليه وعلى ضده .