الحميدة من أهلها وثواب التأهل وفضيلة النكاح وتكثير الأولاد المسلمين الذين بهم يباهى الرسول عليه وآله السلام يوم الدين إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية .
وإذا علمت فوائد كل من العزلة والمخالطة وغوائلها التي هي فوات ما في الأخرى من المصالح فالحكم على أحدهما بخصوصها بالتفصيل على الأخرى غير صحيح على الاطلاق ، بل كل منها له الفضيلة بالقياس إلى اشخاص معينة وفي أحوال مخصوصة كما علم مما ذكر .
إذا تقرر هذا فلنرجع إلى المتن فقوله عليه السلام : فمن عقل عن اللّه اعتزل أهل الدنيا ، يعنى إذ بلغ عقل الانسان إلى حد يأخذ العلم من اللّه من غير تعليم بشرى اما بحسب أصل الفطرة كما للأنبياء عليهم السلام أو بعد مجاهدات ورياضات علمية وعملية اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ، إذ لم يبق له رغبة إلى الدنيا وأهلها ويرغب فيما عند اللّه من الخيرات الحقيقية والأنوار الإلهية والاشراقات العقلية والابتهاجات الذوقية والسكينات الروحية .
وعند ذلك كان اللّه انسه في الوحشة ، إذ موجب الوحشة في الوحدة فقد المألوفات الوجودية وخلو الذات عن الفضيلة والخير ، واللّه تعالى منبع كل خير وأصل كل وجود ، وكل كمال وخيرية فإنما ينشأ وينشعب منه تعالى على الأشياء ، ومن رجع اللّه تعالى يأخذ ويستفيض من رحمته كل ما يريد .
من كان للّه كان اللّه له ، فيكون صاحبه في الوحدة فتصير وحدته عين الجمعية وغناه في العيلة ، لان فقره ليس الا إليه ومن كان فقره إليه لا غير كان غناه به لا غير ، وكان اللّه أيضا معزه من غير عشيرة ، إذ العزة بالعشيرة والنسب عزة مجازية ، والعزيز بالحقيقة من اعزه بعزته التي لا مثل لها ولا نظير .
واعلم أن في هذا الكلام إشارة إلى الحديث الإلهي المشهور الّذي في قرب الفرائض وقرب النوافل « 1 » ، فليتأمل فيه .
هامش
( 1 ) قال القيصري في الفص الآدمي : قرب الفرائض وهو كون العبد سمع الحق وبصره ويده الحاصلة للانسان الكامل عند فناء الذات وبقائها به في مقام الفرق ( به عند بقائه ) بعد الجمع ( اى عند فناء الذات ) وهذا أعلى رتبة من نتيجة قرب النوافل وهو كون الحق سمع العبد وبصره ، لأنه عند فناء الصفات .