قلنا : كلا اللفظين جائز ، والتقدير : وما آمن معه الا عدد قليل . قال الفخر - الرازي : واما الّذي روى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من الجن وهو جسم ناري .
أقول : لعل دخوله فيها لم يكن للخلاص عن الغرق بل لعلمه الّذي عليه من الوسوسة ، والانسان أينما كان لا ينفك عنه ما دام في الدنيا ، واما قوله تعالى :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ *
والقرينتين بعده « 1 » فهو للدلالة على أن أهل العلم اليقيني والايمان القلبي والعقل التام الّذي هو العقل بالفعل يكون قليلا بالقياس إلى الجهال والكفار .
وقوله : ولكن أكثرهم لا يشعرون ، أدل في الدلالة على قلة أهل العقل والعلم من القولين الأولين ، لان نفى الشعور الّذي هو العام يستلزم نفى العلم والعقل الّذي هو الخاص على أبلغ وجه وأكده ، ومما يدل على كون المؤمن الحقيقي في غاية الندرة والعزة قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
، ( البينة - 7 ) لأنه دل بمفهومه على أن المؤمن خير من الملائكة ولا شبهة في ان الأفضل من الملائكة المقربين يكون قليل الوجود في الناس .
فان قلت : كذلك قال تعالى في مقابله الّذي هو الكافر :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ
( البينة - 6 ) .
قلت الجواب بوجهين :
اما أولا : فلا استبعاد في كون المخلوق من الماء والتراب كان بسبب كفره شر خلق اللّه ، ولكن العجيب صيرورة المتكون من النطفة والطين بسبب ايمانه خير خلق اللّه وخيرا من الملك المقرب .
وأما ثانيا : فلعل المراد منهم ضرب من الكفرة وهم الجاحدون المصرون على الكفر والنفاق ، إذا لجهل إذا صار مشفوعا بالعناد مركبا بالاصرار كان شر الصفات الذميمة ، وصاحبه ابعد خلق اللّه عن قبول الرحمة ومثله قليل الوقوع لكونه في الجانب الضد .
مثال ذلك : السواد ضد البياض فهو مقابل له تقابل التضاد ، وكل ما هو غير البياض كالسواد والحركة والطعم وكل ما في الكون أيضا مقابل البياض ولكن تقابل السلب
هامش
( 1 ) اى : أكثرهم لا يعقلون - ولا يشعرون .