اما قوله تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
، فان الشكر ليس معناه قول القائل :
الشكر للّه أو ما يجرى مجراه ، بل عبارة عن صرف العبد جميع ما انعمه اللّه عليه فيما خلق لأجله ، وهذا مرتبة عظيمة إذ يندرج فيه العلم باللّه وصفاته وافعاله ، وان النعم والخيرات كلها صادرة منه ويندرج فيه العلم بالقيامة والنشأة الأخرى للنفس ورجوعها إلى اللّه ، ثم العمل بمقتضى العلم والمجاهدة مع القوى الامارة بالسوء في طريق السير إلى اللّه وتهذيب الاخلاق والسياسات المدنية وغير ذلك مما يطول شرحه ، ولذلك كان الشكر من المقامات العالية القليلة الوقوع في العباد كما قال :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
.
وحكى عن إبليس أنه قال :
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
( الأعراف - 17 ) ، يعنى المؤمنين بالحقيقة ، واما قوله تعالى :
وَقَلِيلٌ ما هُمْ
، فإنه لما وقع بعد قوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، دل صريحا على أن المؤمن العامل بمقتضى ايمانه القلبي لا لأجل شيء اخر ليس في العالم الا قليلا ، وسبب القلة بعد ما أشرنا إليه من أنه امر عظيم الرتبة يصل به الانسان إلى مراتب الملائكة المقربين .
والفطرة البشرية قاصرة عن أن يبلغ إلى هذه المرتبة الا بموهبة خاصة من قبل اللّه لبعض الصفوة من عباده ، لان الدواعي إلى الدنيا كثيرة ، وهي الحواس الظاهرة والباطنة وهي عشرة ، والشهوة والغضب والقوى الطبيعية السبعة والمجموع تسعة عشر ، وكلها واقفة على باب جهنم الطبيعة البدنية التي هي كأنها شعلة من نار السعير وكلها تدعوا القلب إلى الدنيا واللذات الحسية .
واما الداعي إلى الحق والدين فليس الا العقل الخالص عن هذه الشوائب ، وقد علمت أن العقل ليس عقلا الا بعد ان خرج بنور المعرفة واليقين من القوة إلى الفعل ، وذلك يتوقف على تكرر الادراكات الحقة والأعمال الصالحة المتوقفة أيضا على نور الايمان والحكمة ، فالامر هاهنا بمنزلة توقف الشيء على نفسه لولا ان اللّه تعالى أنعم على من يشاء من عباده المكرمين وأحسن إليه بنور الحكمة والايمان ، والا لكان تحصيله بالكسب مستحيلا لأنه يفضى إلى الدور .