تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
دلت بحسب المفهوم على أن أكثر الناس يقولون ما لا يعلمون وانهم لا يؤمنون باللّه قلبا واعتقادا بل لسانا واعترافا ، وذلك لان كونه تعالى خالق السماوات والأرض مسألة نظرية لا تعلم الا بمقدمات علمية وأكثر الناس بمعزل عن ادراكها ، ولا شك ان من ادعى قولا لم يعلمه عد سفيها مذموما ، فالأكثر داخلون في هذه المذمة ، فالحمد راجع إلى اللّه ولمن اتاه من لدنه علما . قوله عليه السلام : « وقال :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
» ( العنكبوت - 63 ) . قال أهل التفسير : انه لما بين اللّه تعالى فيما سبق من آيات التوحيد للمشرك مخاطبا إياه ولم ينتفع به اعرض عنه وخاطب المؤمن بقوله :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
، وأتم الكلام معه وذكر ما يكون تنبيها على قصور عقله وقبح ما هو عليه وهذا طريق حسن في الارشاد ، فان السيد إذا كان له عبدان أو ولدان وأحدهما رشيد والاخر مفسد ينصح أوّلا المفسد فإن لم يسمع يقول معرضا عنه ملتفتا إلى الرشيد : ان هذا لا يستحق الخطاب فاسمع أنت ولا تكن مثله . فيتضمن هذا الكلام نصيحة المصلح وزجر المفسد ، فان قوله : هذا لا يستحق الخطاب ، يوجب نكاية في قلبه ، ثم إذا ذكر مع المصلح في أثناء الكلام والمفسد يسمعه : ان هذا أخاك العجب منه انه يعلم قبح فعله ويعرف الفساد من الصلاح وسبيل الرشاد ثم يعمل بضده ، ويكون هذا الكلام أيضا داعيا له إلى سبيل الرشاد مانعا له من ذلك الفساد ، فكذلك قال اللّه تعالى مع المؤمنين العجب منهم :
لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
، و
لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ ( مِنْ بَعْدِ مَوْتِها ) لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
ثم لا يؤمنون ، هذا ما ذكروه . أقول : الّذي يستفاد من كلامه عليه السلام ان المراد التنبيه على شرف العقل وعظم قدر الايمان الحقيقي وانه في غاية العزة والندرة وان أكثر الناس قاصرون عن دركه لقصور عقلهم ، فان أمور الدنيا لا يتمشى الا بوجود النفوس القاسية والطبائع الغليظة وعملة الدنيا وعمارها مع أن الغاية في خلقهم وتعمير الدنيا بهم هي وجود أهل العقل والعرفان