ومن هذا الوجه يحصل تعلم الصنائع والمكاسب العلمية والعملية ، ولو لم يكن هذا التأثر المتلاحق للنفس الادمية والاشتداد فيها يوما فيوما لم يمكنها تعلم شيء من الحرف والصنائع ولم ينجع فيها التأديب والتهذيب ولم يكن في تأديب الأطفال وتمرينهم الاعمال فائدة .
فتلك الآثار اعني الأحوال تصير ملكات ، والملكة اى الخلق صورة الباطن كما أن الخلق الظاهر ، فالخلق والخلق قد يتخالفان في بعض الناس ، فترى الظاهر بشرا والباطن قد تحول وصار بهيمة أو سبعا أو شيطانا وهذا هو مسخ الباطن ، ولما كانت القيامة موطن بروز الحقائق بصورها الذاتية بلا التباس وتدليس كما في الدنيا ، فيحشر بعض الناس على صورة القردة أو الخنازير أو الكلام .
إذا عرفت هذا المسألة الشريفة التي أكثر الناس في غفلة عنها فنقول :
نبه اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وآله على هذا السر ، يعنى ان الّذي به فارق الانسان البهائم والانعام هو ادراك ما يخرج عن عالم الحواس ، فمن ذهل عن ذلك وعطل نفسه عن تحصيله واهمله وقنع بدرجة البهائم ولم يجاوز عالم المحسوسات فهو الّذي أهلك نفسه وأبطل قوة استعداده بالاعراض عن الآيات والتأمل فيها ، فنزل إلى درجة البهائم وأفق الانعام وترك الترقي إلى الملاء الاعلى وكان كافرا لنعمة اللّه عليه ومتعرضا لسخطه ونقمته ولذلك قال :
بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
، لان البهائم والانعام ما أبطلت استعدادها لما كان لها وما أضلت عن سبيلها التي كانت عليها ، وإليه الإشارة بقوله :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
. ( هود - 56 ) وأيضا البهيمة يتخلص بالموت وهذه النفوس الضالة باقية بعد الموت الا انها منكوسة الرؤوس إلى أسفل سافلين كما في قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
، ( السجدة - 12 ) فبين انهم عند ربهم الا انهم منكوسون منحوسون انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم وانتكست رؤوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل ، وذلك حكم اللّه فيمن اعرض عن آياته ونسوا ذكر اللّه ،
نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
، ( الحشر - 19 )