فلا يخشون اللّه حق خشيته ، و
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
( الفاطر - 28 ) ، وغيرهم يخشى الناس
كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
.
ثم ذكر انهم لخوفهم منكم
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ
بالحصون والقلاع والخنادق ،
أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ
بسبب ان اللّه القى في قلوبهم الرعب منكم وتأييد اللّه ونصره معكم ،
بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ
اى فيما بينهم أو بينهم وبين المؤمنين
شَدِيدٌ
، والأول أولى لفظا ومعنى لعدم الحاجة إلى الاضمار ولدلالة قوله
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
، يعنى تحسبهم في صورتهم مجتمعين على الألفة والمحبة لكن قلوبهم شتى لان كلا منهم على مذهب اخر وبينهم عداوة شديدة لاغراضهم الدنيوية .
وفيه تشجيع للمؤمنين على قتالهم ذلك بأنهم لا يعقلون حظوظ أنفسهم وما فيه صلاح حالهم في الدنيا فكيف صلاح مآلهم في الآخرة ، أو ليسوا من أهل العقل والا لعلموا رشدهم وهداهم فآمنوا ، فإذ لم يؤمنوا باللّه ورسوله مع وضوح الامر فهم السفهاء الحمقى فلا خوف منهم .
وقال عليه السلام : « وقال :
وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
» ( البقرة - 44 ) .
صدر الآية : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ، والهمزة الأولى للتحذير مع التقريع والتعجب من حالهم ، قيل : نزلت في جماعة من الناس كانوا يأمرون الناس بطاعة اللّه وهم كانوا يتركونها ويقدمون على المعاصي ، وقيل : كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونها ، والبر اسم جامع لاقسام الخير .
وقيل : نزلت في اليهود كانوا قبل مبعث الرسول صلّى اللّه عليه وآله يأمرون الناس باتباعه قبل ظهوره فإذا بعث لم يتبعوه ، وقوله :
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
انسب بهذا ، اى تقرءون نعت محمد صلّى اللّه عليه وآله في كتابكم ، وعلى القولين المراد به القرآن أو مطلق الكتب التي فيها الأحكام العقلية والحث على افعال البر والاعراض عن افعال الاثم ، وقوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
، تعجب من افعالهم المنافية للعقل كما في قوله تعالى :
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( الأنبياء - 67 ) ، وسبب التعجب وجوه :