والنداء .
الطريق الثاني فيه وجهان :
الأول : ان يقول : مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان كمثل الداعي إذا تكلم مع البهائم ، فكما انه يقضى على ذلك الداعي بقلة العقل فكذا هاهنا .
الثاني : مثل الذين كفروا في اتباعهم آبائهم وتقليدهم كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم ، فكما ان الكلام مع البهائم عبث عديم الفائدة فكذا التقليد عبث عديم الفائدة ، واما قوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
، فقيل فيه : انه تعالى لما شبههم بالبهائم في عدم العقل زاد في تبكيتهم فقال : صم بكم عمى ، لأنهم صاروا بمنزلة الصم في ان الّذي سمعوه كأن لم يسمعوه ، وبمنزلة البكم في ان لا يستجيبوا لما دعوا إليه ، وبمنزلة العمى من حيث إنهم اعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم ما شاهدوها .
أقول : الأولى بل الحق ان يحمل كلام اللّه مهما يمكن على الحقيقة دون المجاز والتشبيه ، وهاهنا كذلك . فان للانسان غير هذا السمع الحسى سمع عقلي يسمع به المعقولات ويدركها ادراكا عقليا ، وله غير هذا البصر الظاهري بصر عقلي يرى به الصور العقلية ويشاهدها مشاهدة اجلى وأوضح من مشاهدة هذا البصر للصور الحسية ، وله أيضا نطق عقلي يتكلم به الأقوال العقلية وهو عبارة عن القائه العلوم المفصلة واعلام المعقولات .
فلا هل اللّه أعين يبصرون بها واذان يسمعون بها وقلوب يعقلون بها والسنة يتكلمون بها غير ما هي هذه الأعين والاذان والقلوب والألسنة عليه من الصور كما قال تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( الحج - 46 ) ، وان المختوم في الأزل
عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
،
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( البقرة - 171 ) ، وو اللّه ان عيونهم لفى وجوههم وان اسماعهم لفى اذانهم وان قلوبهم لفى صدورهم ولكن عناية اللّه ما سبقت لهم بالحسنى ولم تفتح لهم أبواب السماء ، قال تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ