فذاك كان « 1 » ولا حاجة إلى التقليد ، وان قلت : ليس من شرط جواز تقليده ان يعلم كونه محقا فاذن قد جوزت تقليده وان كان مبطلا ، فاذن أنت على تقليدك لا تعلم انك محق أو مبطل .
وثانيها : هب ان ذلك المتقدم كان عالما بهذا الشيء ، الا انا لو قررنا دليل المتقدم ولا نذهب عليه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا هاهنا .
وثالثها : انك إذا قلدت من تقدمك فذلك المتقدم كيف عرفه ؟ أعرفه بتقليد أو لا بل بدليل ؟ فان عرفه بالتقليد لزمه اما الدور أو التسلسل ، وان عرفه لا بالتقليد بل بدليل ، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب عليك ان تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد ، والا لكنت مخالفا له حيث طلبت العلم بالتقليد وهو كان يطلبه بالدليل .
فثبت ان القول بالتقليد ثبوته يرجع إلى نفيه فيكون باطلا .
وهاهنا دقيقة : وهي انه سبحانه ذكر هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان ، فدل على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين متابعة التقليد للآباء ، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال والاستبصار وترك التعويل على ما يقوله الغير من غير دليل .
قال بعض الحكماء الاسلاميين : من صدق بغير دليل فهو حمار ، وكأنه نظر في قوله سبحانه ،
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
( الجمعة - 5 ) ، وقوله :
لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً
، اى لا يعقلون من المعقول شيئا ، والمعقولات هي العلوم العقلية والمعارف اليقينية وليس فيه ذكر العام وإرادة الخاص كما زعمه الخطيب الرازي في تفسيره مستدلا على جوازه بقوله تعالى :
لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً
، مع أنهم يعقلون كثيرا من أمور الدنيا ، فالمراد بقوله :
لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً
، اى ليس من شأنهم ادراك المعقولات التي هي عبارة عن ذات اللّه وصفاته وافعاله العظيمة وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وبقوله :
لا يَهْتَدُونَ
، اى لا يهتدون إلى طريق اكتسابه .
قوله عليه السلام : « وقال :
هامش
( 1 ) كذا بخطه الشريف ، والظاهر « كاف » .