وما من معنى حقيقي في الآخرة الا وله مثال وصورة في الدنيا ، إذا لعوالم والنشآت متطابقة تطابق النفس والجسد ، ونحن الآن نتكلم في الدنيا عن الآخرة وشرح أحوال الآخرة لمن كان بعد في الدنيا لا يمكن الا بمثال ، ولذلك وجدت القرآن مشحونا بذكر الأمثال كقوله هاهنا وقوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ
( محمد - 15 ) . . . الآية ،
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
، ( البقرة - 17 )
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ
، ( البقرة - 261 )
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ
، ( آل عمران - 117 )
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
، ( الأعراف - 176 ) مثلهم
كَمَثَلِ الْحِمارِ
« 1 »
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا
، ( التحريم - 11 )
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ
، ( الروم - 28 ) إلى غير ذلك من الآيات .
وذلك لان عالم الملك نوم بالإضافة إلى الملكوت كما في قوله عليه السلام :
الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ، فالموجودات في الدنيا أمثلة لمات في الآخرة كما أن المرئيات في النوم أمثلة لما في هذه الدنيا ، فما سيكون في اليقظة لا يظهر لك في النوم الا بضرب الأمثال المحوجة إلى التعبير ، وكذلك ما سيكون في يقظة الآخرة لا يتبين لك في نوم الدنيا إلى في كسوة الأمثال ، ونعنى بكسوة الأمثال ما تعرفه من علم التعبير والتعبير من أوله إلى آخره مثال تعرفك طريق ضرب الأمثال .
وليس للأنبياء عليهم السلام ان يتكلموا مع الخلق الا بضرب الأمثال ، لأنهم كلفوا ان يكلموا الناس على قدر عقولهم وقدر عقولهم انهم في النوم والنائم لا يكشف له شيء الا بمثل ، فإذا ماتوا انتبهوا وعرفوا ان المثل صادق .
فالأنبياء عليه السلام هم المعبرون لما عليه أهل الدنيا من الأحوال والصفات وما يؤول عاقبتها في يقظة الآخرة بكسوة الأمثال الدنيوية ، كما أن ابن سيرين هو المعبر لما رآه الانسان في النوم في كسوة المثل إلى ما ينتهى إليه امره في اليقظة .
قيل : جاء رجل إلى ابن سيرين وقال : رأيت كان في يدي خاتما اختم به أفواه الرجال وفروج النساء فقال : انك مؤذن تؤذن في رمضان قبل الفجر فقال : صدقت . وجاء اخر فقال : رأيت كأني أصب الزيت في الزيتون فقال : ان كان تحتك جارية اشتريتها
هامش
( 1 ) مثل الذين . . . كمثل الحمار - الجمعة 5 .