القوة فلا بد ان ينتهى إليه دفعا للدور أو التسلسل . فكما لا بد في أصل وجوده الجسماني وحياته الحسية من موجد غير جسماني خلاق للأجسام وصورها فلا بد أيضا في تكميله عقلا بالفعل وحياته العقلية من مبدأ برئ من النقائص والامكانات فياض للعقول والمعقولات .
واما الثاني : فلما سبق بعد ما تقرر أن للطبائع غايات ذاتية يتوجه إليها وللحركات والأشواق الجبلية نهايات ينتهى إليها وهو : ان هذه الاستحالات والأطوار الانسانية حركة ذاتية واستحالة جوهرية مستلزمة لأن يقع بها الخروج من هذه النشأة إلى نشأة أخرى ، فإنها ابتدأت من اخس الأشياء وهو التراب إلى النطفة ثم إلى العلقة ثم إلى المضغة وهكذا تدرجت في الوجود من الأخس فالأخس إلى الأشرف فالأشرف إلى أن صار جوهرا ناطقا مدركا لحقائق الأمور .
فهل يجوز عند عاقل له أدنى تأمل ان يقتصر تحولات الانسان على هذا الحد ثم يبطل ويموت من غير أن يبعث في الآخرة ؟ فبالضرورة له نشأة أخرى بل له نشئات أخروية يرجع بها إلى ربه كما قال :
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
، ( الملك - 24 ) وهذا مجمل تفصيله كما قال :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
، ( المؤمنون - 12 - 16 ) ) وقال في موضع اخر :
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
. ( المؤمنون - 100 ) قوله عليه السلام : « قال
وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »
. ( الروم - 24 ) قوله تعالى :
خَوْفاً
، اى من الصاعقة وللمسافر ، وطمعا اى في الغيث وللمقيم ، ونصبهما للعلة لفعل يلزم المذكور ، فان ارائتهم يستلزم رؤيتهم أوله على تقدير مضاف نحو إرادة « 1 » خوف وطمع
هامش
( 1 ) كذا بخطه الشريف ، والظاهر « إرائة » .