اخر نشأته وأطواره ، وقد فسره الزمخشري ومن في طبقته بان المراد لعلكم تعقلون ما في هذه الأحوال العجيبة من أنواع العبر واقسام الدلائل .
وهذا أيضا محتمل صحيح مناسب للمقام ، لكن ما ذكرناه من الوجوه الدقيقة التي لا ينافي ذلك ويناسبه سوق الآية وما بعدها أيضا من قوله :
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( غافر - 68 ) ، فان العقل من عالم الامر وعالم القضاء وكل ما هو كذلك فوجوده بمجرد كلمة كن وهي كلمة وجودية لا يفتقر ما يكون بها إلى مادة جسمانية ، بل نفس وجوده نفس الكلمة كما قال تعالى :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
( النساء - 171 ) ، وقوله :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
( الفاطر - 10 ) ، إشارة إلى الأرواح المجردة الانسانية .
وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وآله : أعوذ بكلمات اللّه التامات كلها من شر ما خلق ، إشارة إلى جواهر العقول التامة الوجود من حيث إن ليس لها كمال منتظر كما للنفوس بما هي نفوس ، فظهر ان قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
، يحتمل ان يكون إشارة إلى أن غاية هذه الأكوان وجود العقل وذات العاقل مع قطع النظر عن تعقله .
وقوله :
يُحْيِي وَيُمِيتُ
، يحتمل ان يكون إشارة إلى الأكوان الوجودية الجوهرية التي هي قبل النشأة العقلية ، فان حدوث كل نشأة يستلزم موتا عن نشأة وحياة في نشأة أخرى بعد الأولى ، كأنه قبل الانتقالات الواقعة للانسان من كونه ترابا ثم نطفة ثم علقة إلى كونه عاقلا يحصل تدريجا على حسب أحوال المادة واستعداداتها ، واما صيرورته عاقلا فإنما يوجد دفعة بأمر اللّه وقوله كن بلا مادة وحركة .
قوله عليه السلام : « وقال [ ان في ]
اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
» ( الجاثية - 5 ) .
اعلم أن المذكور في هذه الآية أيضا بعض من الأشياء الثمانية المذكورة في الآية الأولى وهي ثلاثة : أحدها قوله :
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
، وقد مر تفسيره ، وثانيها قوله :
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
، وقد سبق ما