فانظر أيها العاقل الفهيم إلى ملكوت السماء لترى عجائب ما فيها ، ولا تظنن ان معنى النظر إلى الملكوت بان تمتد البصر إليه فترى زرقة السماء وضوء الكواكب ورفعتها ، فان البهائم تشاركك في هذا النظر ، فإن كان المراد هذا فلم مدح اللّه خليله عليه السلام به بقوله :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
( الانعام - 75 ) .
فاطل أيها العاقل فكرك في الملك أولا ، فعسى ان يفتح على قلبك أبواب السماء فتجول بقلبك في أقطار ملكوتها فتنتقل من بعضها إلى بعض وترتفع من تحتها إلى فوق إلى أن تقوم بقلبك بين يدي عرش الرحمن ، فعند ذلك يرجى لك ان تبلغ رتبة الأقصى ولا يكون الا بعد مجاوزة الأدنى ، وأدنى شيء أليك نفسك التي أنت بها أنت ، ودونها مرتبة الطبع التي دون مرتبة النفس ، وبعدها مرتبة العقل الّذي فوق النفس ودون الباري جل اسمه ، وهذه الثلاثة من الملكوت الأسفل والأوسط والاعلى ، ولا بد للسالك إلى اللّه تعالى من حضيض البشرية إلى عالم الربوبية ان يقع له في سيره المرور على هذه الأنوار الثلاثة التي مثالها الشمس والقمر والنجوم ، فهي بوجه منازل للسالك إلى مطلوبه وبوجه آخر حجب منه على مطلوبه ما لم يقطعها لم يصل إلى عالم الوحدة .
فالكوكب مثال للطبيعة والقمر مثال للنفس والشمس مثال للعقل ، فان للّه سبعين حجابا من نور ولا يصل السالك إلى واحد منها الا ويظن أنه قد وصل ، وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السلام في قصة المشهورة المذكورة في القرآن ، وليس المعنى بها هذه الأجسام المضيئة ، فإنه كان يراها في الصغر ويعلمها ويعلم أنها ليست آلهة ، وكثير من جهال الناس يعلمون انها ليست آلهة .
فمثل إبراهيم على نبينا عليه السلام لا يغره الكواكب ، فأصغر المنيرات الحسية هو الكوكب ، فاستعير لفظة الكوكب لاصغر الأنوار الملكوتية وهي متكثرة حسب تكثر الأجسام الطبيعية متفاوتة ، والكواكب أيضا متكثرة وأعظمها الشمس فاستعيرت لاعظمها وهو العقل ، والعقل المفارق واحد عندنا ومع وحدته عين الأشياء كلها ، وبينهما رتبة القمر استعير للنفس والقمر واحد بالذات كثير بالاشكال والمنازل كذلك النفس واحدة من جهة العقل كثيرة من حيث الطبيعة .