تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
كما لك البيت المتصرف فيه ، وضروب النبات مهيأة لمصالحه وصنوف الحيوان منصرفة في منافعه . واعلم أن التفكر والتدبر في السماوات وما فيها من الكواكب على وجهين : أحدهما : ما يتعلق بظاهر اجرامها واعظامها واشكالها وأوضاعها وهيآتها وحركاتها وما يترتب عليها من المنافع الجلية ، وهذا العلم مما اعتنى بادراكه علماء الهيئة والهندسة والطبيعيون كل منهما من جهة أخرى والكلام فيه طويل لا يليق بهذا الموضع . وثانيهما : ما يتعلق بملكوتها ونفوسها المحركة والملائكة المدبرة إياها تدبيرا إلهيا ، والمعتنون بهذا العلم هم العلماء الإلهيون والعرفاء الراسخون ، فيعرفون ان لكل كرة من السماء ولكل كوكب منها ملكين محركين له لا أقل منهما : أحدهما من المقربين الذين في الصف الاعلى من صفوف الملائكة ولا تعلق لهم بهذا العالم ، وانما يحركون الكواكب والاجرام على سبيل الغاية كما يحرك المعشوق العاشق أو على سبيل إفادة المحرك القريب . والثاني من الملائكة المدبرين النازلين في عالم السماء ، ويعلمون ان دوراتها عبادات وطاعات للّه سبحانه وان حركاتها صلوات وتسبيحات ، ولكل منها في تعبده الدائم تشوق إليه وتعشق ، وله في كل حركة ودورة تقرب خاص إليه ونيل وصال وروح اتصال مخصوص ليس قبلها ولا بعدها ، ولها في كل لحظة حشر جديد إليه . فهي من حيث دنياها ونشأتها الكونية دائمة التبدل والاستحالة وضعا وجوهرا بتوارد الأمثال ، ومن حيث ملكوتها وصورتها العقلية الموجودة عند اللّه المخزونة في علمه الثابتة في عالم قضائه مصونة عن التبدل محفوظة عن المحو والتغير ، فصورتها النفسانية كتاب المحو والاثبات ، وصورتها الروحية العقلية اللوح المحفوظ كما في قوله :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
( الرعد - 39 ) ، فهذا علم شريف من العلوم المتعلقة بعجائب فطرة الأفلاك والكواكب أعظم ما يصل إليه فكر الآدمي ولا يمكن الا بالهامه تعالى ولطفه وجوده .