المشهد الثالث
في التنبيه على أن المذكور في الآية المنقولة مما جعله اللّه دليلا على معرفته ، ولذلك ذكره في مواضع أخرى من كتابه العزيز قوله عليه السلام « يا هشام قد جعل اللّه ذلك » اى قوله تعالى في الآية المذكورة أو ذلك المذكور أو ذلك الكلام ، « دليلا على معرفته بان لهم مدبرا » وقد علمت أن كلا من الموجودات الثمانية مشتمل برأسه على الدلائل كما بيناه فلأجل ذلك أورد عليه السلام آيات أخرى ذكرت هذه الأمور فيها على وجه التفصيل بان ذكر اللّه تعالى بعضا في آية وبعضا في أخرى ثم نص على كل بعض مذكور في آية على الانفراد والاستقلال بان فيه آيات لأهل العقل والفكر قوله عليه السلام « فقال
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
» ( النحل - 12 ) . فنقول : المذكور في هذه الآية بعض من المذكورات الثمانية في الآية السابقة على وجه فيه تفصيل أو اعتبار جهة أخرى وهو أمران :
أحدهما : تسخير الليل والنهار فذكرهما هناك من جهة الاختلاف وقد علمت وجه دلالتها من تلك الجهة واما هاهنا فباعتبار التسخير وذلك لأنهما اجزاء الزمان الواحد المتصل والزمان مقدار حركة دورية غير مستقيمة فالحافظ للزمان لا بد ان يكون جسما كريا ابداعيا وهو السماء فدل وجودهما على السماء ودلالة السماء على خالق الأشياء مما قد علمت وفي دلالتهما على هذا المطلب وجوه أخرى لا نطول الكلام بذكرها روما للاختصار .
وثانيهما كون الشمس والقمر والنجوم مسخرات وهذا تفصيل قوله هناك ان في خلق السماوات فان الكواكب من جملة السماوات لأنها مركوزة فيها كاجزاء لها .
واعلم أن من الآيات العظيمة ملكوت السماوات وما فيها من الكواكب وهو الامر كله ومن أدرك الكل وفاته عجائب السماوات وملكوته فقد فاته الكل تحقيقا فالأرض والبحار والهواء وكل جسم سوى السماوات وبالإضافة إلى السماوات كقطرة في بحر وأصغر منها ، لست أقول بحسب الكمية والمساحة فقط بل بحسب الكيفية