تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
فأدركت ظاهر هذه الصور فغمض عينك الظاهرة وانظر ببصيرتك الباطنة لترى عجائب باطنها وغرائب اسرارها ، فهذا أيضا باب يطول الفكر فيه ويؤول منه إلى الملكوت وعجائبه .

الفصل الثامن في حكمة قوله : وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ

( البقرة - 164 ) سمى السحاب سحابا لانسحابه في الهواء ، ومعنى التسخير في اللغة التذليل وانما سماه مسخرا لوجوه : أحدها : ان طبع الماء ثقيل لبرده يقتضي النزول ، فكان بقاؤه في الجو خلاف الطبع فلا بد من قاهر فوقه ، وهو اما قاسر أو مسخر ، والفرق بينهما عند الحكمة ان المؤثر في شيء خلاف مقتضاه ان كان امرا خارجا عن ذاته مباينا له في الوضع فهو قاسر ، وان كان امرا مقوما له فهو مسخر ، وقد مر ان حركة مثل هذه الأجسام على هذا الوجه ليست بالقسر فيكون بالتسخير ، فيدل على وجود فاعل علوي لأغراض كلية . وثانيها : انه لو دام السحاب لعظم ضرره حيث يستر ضوء الشمس ويكثر الأمطار وتبتل المركبات فتفسد ، ولو انقطع لعظم ضرره لأنه يفضى إلى القحط فيهلك المواشي والانسان ، فكان تقديره بالمقدار المعلوم للمصلحة فهو مسخر ، والمسخر هو اللّه سبحانه بتوسيط محرك باطن غير محسوس يأتي به في وقت الحاجة ويرده عند زوالها . وثالثها : ان السحاب لا يقف في موضع معين بل يسوقه بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء فذاك معنى التسخير ، فهذه الوجوه دل على كونه مسخرا وعلى وجود ما تسخره لهذه المصالح التي بعضها ظاهر وبعضها خفى يعرفه العارفون . فتأمل أيها العاقل المتفكر في السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا كدورة له ، وكيف يخلقه اللّه إذا شاء ومتى شاء ، وهو مع رخاوته حامل للماء الثقيل وممسك في جو السماء إلى أن يأذن اللّه في ارسال الماء وتقطيع القطرات كل قطرة
شرح أصول الكافي — صفحة 297 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )