وليست قسرية إذ ينقل الكلام إلى حركة القاسر حركة على الوجه الّذي يؤدى إلى هذه الحركة فيكون لا محالة جسما لطيفا متحركا كالهواء ، وليست أيضا إرادية إذ ليست للهواء إرادة حتى يكون حركتها إرادية ، فبقى ان يكون سبب حركتها امر نازل من جانب السماء المسخرة في حركاتها لعالم القضاء كما قد علمت فيما مر ، فاللّه سبحانه يهيج الرياح كيف يشاء بأمره لملائكة الهواء بتوسط امره لملائكة السماوات .
واما منافعها فمنها : ان الهواء مادة للنفس الضروري الّذي لو انقطع لحظة عن الحيوان لمات ، وقد قيل إن كلما كانت الحاجة إليه أشد كان وجدانه أسهل واحتياج الناس إلى الهواء أشد الحاجات وأعظمها بحيث لو انقطع عنه لحظة لمات ، لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شيء . وبعد الهواء الماء لان الحاجة إليه وان كانت شديدة إذ به حياة كل شيء الا انها ليست كالحاجة إلى الهواء ، فلا جرم وجود الهواء أسهل من وجود الماء ، لأن الماء لا بد في جذبه أو اخذه من تكلف الاقتراف بخلاف الهواء ، فان الآلات المهيئة لجذبه حاضرة ابدا .
ومنها : ان الهواء مادة لخلقة النبات وغيره التي يحتاج إليها الانسان في الاغتذاء والدواء ، ومنها : ان الهواء لو لم يكن في فرج الأجسام الغذائية وغيرها لتعفن وفسد سريعا كما يدل عليه التجربة وكان فسادها يؤدى إلى فساد الانسان والحيوان ، ومنها :
غير ذلك من المنافع التي بعضها ظاهرة وبعضها يظهر بالتأمل .
فانظر أيها العاقل إلى عجائب الجو فيما يظهر فيها من الغيوم والرعود والبروق والأمطار والثلوج والشهب والصواعق وفي أسباب تكونها المنبعثة من أنوار السماء وأوضاعها وحركاتها ، وقد أشار القرآن إلى جملته بقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
( الدخان - 38 ) .
وأشار إلى تفاصيله في مواضع شتى حيث تعرض للرعد والبرق والشهاب والمطر وغيرها ، فيا أيها الرجل المدعى للانسانية : ان لم يكن لك حظ من هذه الجملة الا ان ترى المطر بعينك وتسمع الرعد باذنك فالبهيمة تساويك في هذه المرتبة ، فارتفع من حضيض عالم البهائم إلى عالم العقل والملاء الاعلى ، فكما فتحت عينك