وقد نبهك اللّه في مواضع من القرآن على كيفية خلقك وأطوار وجودك ونشأت نفسك لتتدبر وتتأمل في نفسك وفي اطوارك ونشأتك لتعلم انك ستحشر وتبعث في نشأت أخرى وتعود إليه تعالى ، كما انك منه مبدأ وجودك وحدوثك على التدريج . وذكر انك مخلوق من نطفة قذرة فقال : ألم يك نطفة من منى يمنى ؟ وقال :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
( عبس - 17 - 22 ) .
وقال في موضع اخر :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
، ( الروم - 20 ) تنبيها على أن حال اوّل نشأته اخس من النطفة وهو التراب ، ثم قال تنبيها على أنه في بداية امره كان أدنى من كل شيء حيث كان معدوما منسيا :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
، ( الدهر - 1 ) فكان أولا ممكنا محضا أو قوة استعدادية صرفة غير موجودة بالفعل كالهيولى ونحوها ، واوّل صورة كساها اللّه له ونشأة افادها إياه بعد صورة العنصرية هي صورة النطفة فقال :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ
( الدهر - 2 ) ، ثم جعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة لحما واللحم ذا عظام وهكذا أنشأه نشأة بعد نشأة ونقله في أطوار الخلقة طورا فوق طور إلى أن جعله خلقا اخر خارجا عن هذا العالم الجسماني المشهود بهذا الحس .
وقد أشار إلى هذا التدرج في الوجود والتعرج من هذه الدار إلى دار الشهود والمقام الموعود في مواضع متعددة من القرآن مثل قوله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
.
ثم قال :
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
( المؤمنون - 12 - 16 ) ، إشارة إلى أطوار النشأة الأخرى من حين الموت إلى حين البعث ، فان الموت ليس عبارة عن عدم الانسان بل عن بطلان قالبه ، لخروج روحه منه قائمة بذاتها دون افتقارها بهذا البدن ، فلها بعد هذه النشأة نشئات كثيرة في القبر والبرزخ وعند العرض
و