تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
الخلقة وغرائب الصنعة الا حركتها إلى الجهات سيما الفوق مع كمال ثقلها كالفيل يمشى إلى فوق من غير تعلق بجسم آخر يحركه إليه ولا دعامة من تحت ولا حبل من فوق لكانت أعجب من كل عجيب ، حيث إن الهمة والإرادة وهي امر روحاني يحرك جسما ثقيلا إلى فوق أو يمسكه في الجو كما في الطير ، فما ذلك الا بأمر اللّه وحكمته وجعله الروحانيات واسطة في ايجاد الجسمانيات وتحريكها وتدبيرها ، قال :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ
( الملك - 19 ) . والانسان من جملة الحيوانات أعجب حكمة منها وأكثر دلالة على وجود خالقه وصانعه ، لان فيه أنموذج جميع ما في العالمين الملك والملكوت فكأنه نسخة مختصرة من كتاب اللّه الكبير ، فان العالم كله كتاب كبير جامع لجميع المعلومات ، واللّه منشئه ومصنفة ومبدعة ، والانسان من حيث نشأته الظاهرة كتاب صغير منتخب من ذلك الكتاب ، واما بحسب نشأته الباطنة ومن حيث كماله واحاطته بالمعلومات الكلية والجزئية وادراكه المداركات العقلية والحسية فهو كتاب كبير كالعالم بل أكبر منه . وقد نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال :
وأنت الكتاب المبين الّذي * بآياته يظهر المضمر وتزعم انك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر
فالصورة الانسانية هي أعظم آيات اللّه وهي أكبر حجته على خلقه ، لأنه الكتاب الّذي كتبه بيده وهي المسجد الجامع الّذي بناه بحكمته وهي المختصرة من اللوح المحفوظ وهي الشاهدة على كل غائب والحجة على كل جاحد وهي صراط اللّه المستقيم الممدود بين الجنة والجحيم ، فاقرب شيء أليك نفسك وفيك من العجائب الدالة على عظمة اللّه ما تنقضى الاعمار في الوقوف على عشر عشيرها وأنت غافل عنه طول عمرك . فيا من هو غافل عن نفسه وجاهل به كيف يطمع في معرفة ربه ؟ وقد امرك اللّه بالتدبر والتأمل في نفسك في كتابه العزيز فقال :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( الذاريات - 21 ) ، وقال نبيك صلّى اللّه عليه وآله : من عرف نفسه فقد عرف ربه .