« سبب له أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة ، فذاك في المشية ان شاء تبارك وتعالى أتم ايمانه وان شاء سلبه إياه ، ولا يؤمن عليه ان يصبح مؤمنا ويمسى كافرا أو يمسى مؤمنا ويصبح كافرا » كما وصف اللّه به المنافقين في قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
( المنافقون - 3 ) وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ . . .
الآية ( النساء - 137 ) .
« انه كلما رأى كبيرا من الكبراء مال معه ، وكلما رأى شيئا استحسن ظاهره قبله » لعدم بصيرته الباطنة وفقد نور القلب عنه فلا يدرك من الأشياء الا الظواهر المحسوسة ولا يستحسن من الانسان الا الاعمال البدنية ، أو عموم اعتراف الخلق له بالفضل والإمامة ، وان كان مع افلاس قلبه عن العلم والحال ، بل مع تلطخه بالجهالات والظلمات وتدنسه بادناس الملكات المهلكات .
واعلم : ان من هذا القبيل من يأخذ العلوم من الالفاظ المنقولة المؤولة والعمومات المخصصة فكان الضلال والاضلال عليه أغلب ما لم يهتد بنور اللّه إلى ادراك الأمور على ما هي عليه كما في قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
( النور - 40 ) ، وقوله :
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ *
( الجمعة - 4 ) وقوله :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ
( الأعراف - 178 ) ، وقوله :
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ *
( الانعام - 88 ) ، وآيات كثيرة كلها تدل على أن الايمان نور رباني قذفه اللّه في قلب المؤمن بحسب ما قدره وقضاه .
وكذا مقابله من ظلمة الكفر والجهالة ، لكن لكل من الطرفين مراتب متفاوتة في الكمال والقصور والشدة والضعف ، فالكاملون في النور والهدى والقرب من اللّه هم الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل ، والبالغون في ظلمة الكفر والضلال والبعد عن رحمة اللّه هم الفراعنة والدجاجلة ثم أئمة الضلال ورؤساء الكفرة والمنافقين ثم الأشبه فالأشبه ، فبين هذين الطرفين أوساط كثيرة لا تعد ولا تحصى ، عددهم أكثر من عدد الأقوياء ، وهم الكاملون في نور البصيرة وقوة اليقين أو البالغون في ظلمة النفس ورسوخ الجهل .