« ولو كانوا كذلك لما بقوا طرفة عين » اى لو كانت هذه الطائفة كالطائفة الأخرى حتى صار الناس كلهم كالبهائم لهلكوا دفعة من غير مهلة ، لما سبق من أن النظام لا يتم الا باهل الشريعة والدين وأصحاب المعرفة واليقين ، « فلما لم يجز بقاؤهم الا بالأدب والتعليم ، وجب انه لا بد لكل صحيح الخلقة كامل الآلة من مؤدب ودليل ومشير وآمروناه وأدب وتعليم وسؤال ومسألة » حتى يخرج بهذه الأمور جوهر عقله من حد النقص إلى حد الكمال ، ومن القوة إلى الفعل ، ويصفى عين قلبه عن غشاوة الظلمات وحجب الجهالات ، ويخرج من ظلمات هذا العالم إلى عالم النور كما في قوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
( البقرة - 257 ) .
« فاحق ما اقتبسه العاقل » من مشكاة النبوة والولاية ، « والتمسه المتدبر الفطن » واستخرجه من الكتاب والسنة ، « وسعى له الموفق المصيب العلم بالدين » اى بأصوله وأركانه ، « ومعرفة ما استعبد اللّه به خلقه » اى معرفة ما كلف اللّه به عباده سواء كان علما أو عملا ، وقوله : « من توحيده » بيان للعلم بالدين أو للدين نفسه ، وقوله : « وشرائعه » مع ما عطف عليه بيان لما استعبد اللّه وامر به خلقه ، والمراد من التوحيد عند أهل الحق :
هو العلم باللّه ووحدانيته وصفاته وافعاله ، وتندرج فيه معرفة ملائكته وأنبيائه وأوليائه وكتبه ورسله ، وكيفية الوحي والرسالة والانزال والتنزيل والالهام والعلم بالآفاق والأنفس ، ومعرفة النفس الانسانية وقواها العلمية والعملية ، وكيفية استكمالها بالعلم والعمل ، وما الّذي يسعدها من العلم وما الّذي يشقيها ، وما الّذي ينفعها يوم الآخرة من العلوم والأحوال والحركات والاعمال ، ومعرفة يوم القيامة ومعنى قيام الساعة ومعرفة القبر والبعث والحساب والميزان والكتب وكرام الكاتبين والحفظة لاعمال بني آدم ، وملائكة اليمين وملائكة الشمال وملائكة الرحمة والرضوان وملائكة العذاب والمالك ، وكيفية نشو الآخرة من الدنيا ومعرفة الجنة وأصحابها والنار وأهلها ، والشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين .
وان الايمان وان كان ضعيفا لا يخلد صاحبه في النار ، وان مع فقده لا ينفع شيء من الطاعات وان كان أكثر من رمل البطحاء وقطر السماء إلى غير ذلك من الأمور