تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
فلأجل ذلك تختلف الدواعي والإرادات وتتفنن الأشواق والحركات ، فينزع بعضهم بطبعه إلى ما ينفر عنه الاخر ، ويستحسن أحدهم بهواه ما يستقبحه غيره ، ومع ذلك العناية الإلهية تقتضى نظام الوجود على أحسن ما يمكن وأتم وأكمل ، فلو أمكن أحسن من ما هو عليه لوجد ، ولكن لا يمكن ، قال تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ . . .
الآية ، ( السجدة - 13 ) اى ولو شئنا لجعلناهم على نهج واحد ، ولكن ينافي الحكمة لبقائهم على طبقة واحدة . وبقاء سائر الطبقات الممكنة في حد الامكان مع عدم الظهور ابدا وخلو أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها ، فلا يتمشى الأمور الخسيسة والدنية المحتاج إليها في العالم التي يقوم بها أهل الحجاب والقسوة والظلمة البعداء عن الرحمة والمحبة والنور والعزة ، فلا ينضبط نظام المسلمين ولا يتم صلاح المهتدين أيضا لوجود الاحتياج إلى سائر الطبقات . فلو كان الناس كلهم أنبياء وأولياء وسعداء لاختل الامر بعدم النفوس الغلاظ وشياطين الانس القائمين بعمارة العالم ، فوجب في الحكمة الإلهية ، التفاوت في الاستعدادات بالقوة والضعف والكمال والنقص ، ولهذا ورد في الخبر : انى جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم ، وفي الخبر : لولا انكم تذنبون لذهب اللّه بكم وجاء بقوم يذنبون « 1 » ، وعن رسول اللّه صلى اللّه وآله حكاية عن ربه : أنين المذنبين أحب إلى من زجل المسبحين ، ولذلك قال :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *
( السجدة - 13 ) . « فخص أهل الصحة والسلامة بالامر والنهى بعد ما أكمل لهم آلة التكليف » وهي العقل الحاصل لهم في سن البلوغ ، خاليا عما يعرضه من الجنون والإغماء وشبههما ، « ووضع التكليف عن أهل الضرر والزمانة ، إذ قد خلقهم خلقة غير محتملة للأدب والتعليم » اى التأدب بالأدب والعقلية والنسك الإلهية والتعلم بالعلوم الحقيقية والمعارف اليقينية العلمية ، والا فالقسمان كلاهما ، مكلفان بالأوامر والنواهي الشرعية والاعمال الظاهرة من الصلاة والطواف والزكاة والصيام وغيرها من الاعمال البدنية والطاعات المالية .
هامش
( 1 ) ليكونوا مظاهر للاسم الجبار والقهار وبعد ذلك للاسم الغفار .
شرح أصول الكافي — صفحة 194 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )