ومن يحذو حذوهم : من أنه تعالى يفعل بالاختيار ، والعالم ملكه وملكه ، وللمختار أن يفعل في ملكه وملكه ما يشاء ، ويتمسكون بقوله :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
( الأنبياء 23 ) فإنه تعالى اجل وأعظم من أن يفعل باختياره لا لحكمة وغاية بل بمجرد الإرادة الجزافية ، نعم : لا يكون لفعله المطلق ولا لما يبدعه أو لا علة غائية غير ذاته ، فذاته غاية قريبة له ، كما أنه فاعل قريب له ، وهو غاية الغايات المتوسطة ، كما أنه فاعل الفواعل ومبدع البدائع ، ولو لم يكن السؤال ب ( لم ) صحيحا لما وقع من داود على نبينا وعليه السلام في قوله : لم خلقت الخلق ؟ ولما وقع الجواب عنه تعالى بقوله : خلقت الخلق لأعرف ، على طبق ما قال في القرآن :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
، ( الذاريات - 56 ) وحرف اللام للتعليل ، واما القدر المناسب لهذا الموضع من الجواب فهو انه :
كما أن الأنواع متخالفة في الحقائق ، بعضها في الطبقة الأولى من الممكنات لقربها من اللّه تعالى كالملائكة المقربين ، وبعضها في الطبقة الثانية كمدبرات السماوات وهكذا حتى ينتهى إلى الأرضيات ، فلا يرد السؤال بأنه لم كان العقل اشرف من الجسم ؟
ولم كانت السماء أفضل من الأرض ؟ ولم صار الانسان اشرف من الحمار والكلب ؟ ولم صار عين الكلب نجسا وعين الماء طاهرا ؟ لان الأعيان والماهيات غير مجعولة ، وانما للحق إفاضة الوجود عليها ، فهذه التفاضل من لوازم الوجود والايجاد والمجال غير مقدور .
فكذلك نقول في اختلاف الأصناف الانسانية : بان الأرواح الانسية بحسب الفطرة الأولى مختلفة في الصفاء والكدورة والضعف والقوة وفي الضرر والزمانة والصحة والسلامة ودرجات القرب والبعد من اللّه تعالى ، والمواد السفلية التي بإزائها بحسب الخلقة متباعدة في اللطافة والكثافة ومزاجاتها متباينة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي ، فقدر اللّه تعالى بإزاء كل روح ما يناسبه من المواد ، فحصل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم والادراكات دون بعض ، موافق لبعض الاعمال وو الصناعات دون آخر على ما قدر لها في العناية الأولى والقضاء السابق ، كما قال صلّى اللّه عليه وآله : الناس معادن . . . الحديث .