يتيسّر لمن هو مسبوق أن يسعى ويسبق على سابقه ، وكذا لا يستتبّ للمفضول أن يكتسب الكمال ، ويفضل على فاضله .
وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة : « ألا وأنّ اليوم المضمار وغداً السباق » . « 1 »
قوله عليه السلام : ( تفاضَلَ بذلك أوائل هذه الامّة وأواخرُها ) . [ ح 1 / 1529 ]
أي بالسبق على درجات الإيمان لا بالعمل أو الزمان ، ومرجع ذلك إلى مراتب التصديق وتسخير جنود الجهل التي يعارض ويعلق النفس .
والغرض أنّ أوائل هذه الامّة وأواخرها - أعني المهاجرين والأنصار والتابعين - كانوا في قوّة الإيمان على الترتيب الأعلى فالأعلى ، ولذلك قدّم اللَّه بعضهم على بعض في كتابه على ذلك الترتيب بقوله :
« وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ »
« 2 » .
واعتبر قوّة إيمانهم من كلام سيّد الساجدين عليه السلام في الصحيفة الكاملة حيث قال في دعاء الصلاة على أتباع الرسل :
اللّهمَّ وأصحاب محمّد خاصّة الذين أحسنوا الصحابة ، والذين ابلوا البلاء الحسن في نصره ، وكانفوه ، وأسرعوا إلى وفادته ، وسابقوا إلى دعوته ، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته ، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته ، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته ، وانتصروا به ، ومن كانوا منطوين على محبّته يرجون تجارةً لن تبور في مودّته ، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته ، وانتفت منهم القرابات إذ سكنو في ظلّ قرابته ، فلا تنس لهم اللّهمَّ ما تركوا لك وفيك ، وأرضهم من رضوانك ، وبما حاشوا الخلق عليك ، وكانوا مع رسولك دُعاةً لك إليك ، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم ، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم .
اللّهمَّ وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك الذين قصدوا سمتهم ، وتحرّوا وجهتهم ، ومَضَوا على
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 71 ، الخطبة 28 .
( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 100 .