أول وقت الإمكان قبل حوائل الأزمان لأن الاستظهار والاحتياط للمبادرة إلى العبادات والطاعات قبل الفوات من دلائل العنايات على أن إيرادنا هذا الحديث في هذا الشهر لا يمنع أن يعمل عليه في باقي أشهر الحرم فإن عموم هذا اللفظ المشار إليه يشتمل على كل شهر من أشهر الحرم فإذا عمله في كل شهر منها كان أفضل وأكمل فيما يعتمد عليه ولا تقل كيف عدل عن صوم يوم الأربعاء في أولها إلى صوم يوم السبت في آخرها فإن أسرار العبادات لا يعلمها جميعا [ جميعها ] إلا المطلع على الغايات [ الغائبات ] وإليه جل جلاله الاختيار فيما تعبد به من العبادات ولعل إن احتمل أن يكون المراد بذلك أنه لما كان الصوم المذكور لهذه الأيام الثلاثة في هذه الأشهر المباركات فأراد الله تعالى أن يكون افتتاح صوم هذه الأيام مباركا وهو الخميس وختمها بيوم مبارك وهو السبت
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ص بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي سَبْتِهَا وَخَمِيسِهَا
تعظيمها [ تعظيما ] لهذا الصوم حيث وقع في الأشهر الحرم المعظمة المباركة المكرمة أو لعله يحتمل أن يكون [ أنه كان ] يوم الأحد من هذا الشهر معظما كما قدمناه وهو يوم ابتداء خلق الدنيا فيراد أن يكون مع يوم الفراغ من خلقها وتمامها وهو يوم السبت معظما وشكرا لله على [ في ] ابتدائها وفراغها
فصل فيما نذكره من فضل ليلة النصف من ذي القعدة والعمل فيها
اعلم رحمك الله أن كل وقت اختاره [ تختاره ] الله جل جلاله لدعوة عباده إلى حبه وقربه وإسعاده وإنجاده وإرفاده فإن ذلك من أوقات إقبال العبد وإعياده حيث ارتضاه الله جل جلاله الموقوف [ للوفود ] بشريف بابه وشرفه بما لم يكن في حسابه ونحن ذاكرون في هذا الفصل ما لم نذكره مما يتكرر في السنة مرة واحدة كما يفتحه الله جل جلاله علينا من الفائدة ووجدناه مما تخيرناه في ذلك وأردناه ما رأيناه في كتاب أدب الوزراء تأليف أحمد بن جعفر بن شاذان في باب شهور العرب
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ لَيْلَةً مُبَارَكَةً وَهِيَ لَيْلَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا بِالرَّحْمَةِ أَجْرُ الْعَامِلِ فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ أَجْرُ مِائَةِ سَائِحٍ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ
فإذا كان نصف الليل فخذ في العمل بطاعة الله والصلاة وطلب الحوائج
فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ سَأَلَ اللَّهَ فِيهَا حَاجَةً إِلَّا أَعْطَاهُ
أقول فاغتنم نداء الله جل جلاله لك إلى مجلس سعادتك وتشريفك بمجالستك ومشافهتك ومحل قضاء حاجتك وأفكر لو كانت [ كنت ] هذه المناداة من سلطان زمانك كيف تكون نشيطا إلى الحضور بين يديه بغاية إمكانك فلا يكن الله جل جلاله عندك دون هذه الحال والذي قد عرضه الله جل جلاله عليك هو للدنيا ولدار الدوام والإقبال والذي يدعوك إليه سلطان بلدك مكدر بالمنة والذلة