مالك بن أنس فسلم وجلس فقال له الرشيد يا ابن أبي عامر أبعث إليك فتخالفني فقال يا أمير المؤمنين أخبرني الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال :
« كنت أكتب الوحي بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلم فكتبت
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُجاهِدُونَ
« 1 » . وكان ابن أم مكتوم عند النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال يا رسول اللّه إني رجل ضرير وقد أنزل اللّه تعالى في فضل الجهاد ما قد علمت فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا أدري وقلمي رطب ما جف حتى ثقل فخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلم عليّ ثم أغمي على النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم جلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال يا زيد اكتب
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
« 1 » . يا أمير المؤمنين حرف واحد تعب فيه جبريل والملائكة من مسيرة خمسة آلاف عام ألا ينبغي لي أن أعزه وأجله وإن اللّه تعالى رفعك وجعلك في هذا الموضع فلا تكن أنت أول من يضع عز العلم فيضع اللّه عزك قال فقام الرشيد فمشى مع مالك إلى منزله يسمع منه الموطأ وأجلسه معه على المنصة فلما أراد أن يقرأه على مالك قال لمالك تقرؤه علي قال يا أمير المؤمنين ما قرأته على أحد منذ زمان قال فيخرج الناس حتى أقرأه أنا عليك فقال إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم ينفع اللّه به الخاصة فأمر أن يقرأه معن بن عيسى القزاز عليه فلما بدأ بالقراءة قال مالك رضي اللّه عنه لهارون الرشيد يا أمير المؤمنين أدركت أهل العلم ببلدنا وأنهم ليحبون التواضع للعلم فنزل الرشيد عن المنصة فجلس بين يديه اه من الروض الفائق ( الثانية منه أيضا ) قال كان مالك رضي اللّه عنه في تعظيم علم الدين مبالغا حتى إذا أراد أن يحدث توضأ وصلّى ركعتين وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن في الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث فقيل له في ذلك فقال أحب أن أعظم حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هكذا يكون تعظيم العلم فالعلماء إذا عظموا العلم عظمهم اللّه عند الناس وجعل لهم الهيبة والوقار في قلوب الملوك ومن دونهم فيا أيها الطالب للعلم تواضع له فمن تواضع له تواضع للّه ومن تواضع للّه رفعه اللّه فان التراب لما ذل لأخمص القدمين صار طهورا للوجه كما قال تعالى فامسحوا بوجوهكم يا هذا دم على حضور مجلس العلم فالطفل يحتاج كل ساعة إلى الرضاع فإذا صار رجلا صبر على الفطام . واعلم أن طريق الفضائل مشحونة بالبلاء ليرجع عنها مخنث العزم .
هامش
( 1 ) سورة النساء 95 .