تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
يجب عند وقوع الوباء السكون والراحة وتسكين هيجان الأخلاط ؛ إذ لا يمكن الخروج من أرض الوباء إلا بالحركة ، وهي مضرة . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خرج إلى الشام حتّى إذا كان ب « سرغ » لقيه أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه ، فأخبروه أن الوباء والطاعون قد وقع بالشام ، قال ابن عباس : قال لي عمر : ادع لي المهاجرين الأوّلين . فدعوتهم ، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام ، فاختلفوا ، فقال بعضهم : خرجت لأمر فلا نرى أن ترجع عنه ، وقال آخرون : معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء والطاعون ، فقال عمر : ارتفعوا عني ، ثم قال : ادع لي الأنصار . فدعوا ، فاستشارهم ، فسلكوا سبيل المهاجرين ، واختلفوا كاختلافهم ، فقال : ارتفعوا عني ، فقال : ادع لي من هاهنا من مشيخة قريش ، من مهاجرة الفتح . فدعوا له ، فلم يختلف عليه منهم اثنان ، قالوا : نرى أن ترجع بالناس ، ولا نرى أن تقدم على هذا الوباء والطاعون ، فأذّن عمر في الناس : إني مصبح على ظهر « 1 » فأصبحوا عليه . قال أبو عبيدة بن الجراح : يا أمير المؤمنين أفرارا من قدر الله ! فقال : « لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! ! نعم ؛ نفرّ من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان ، إحداهما خصبة والأخرى جدبة ، ألست إن رعيت رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ ! » قال : فجاء عبد الرحمن بن عوف ، وكان متغيبا في بعض حاجته ، فقال : إن عندي في هذا علما ، وذكر الحديث المتقدم ذكره ، فحمد الله ثم انصرف . فعلمنا من هذه الأحاديث حكم النهى عن دخول بلد بها الطاعون والخروج منها بقصد الفرار منه ، وعن أبي نعيم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الطاعون شهادة لأمتي ، ووخز أعدائكم من الجن ، غدّة كغدّة الإبل تخرج في الآباط والمرافق ، من مات فيه مات شهيدا ، ومن قام فيه كان كالمرابط في سبيل الله ، ومن فرّ منه كان كالفارّ من الزحف » رواه الطبراني « 2 » .
هامش
( 1 ) كناية عن أنه سيركب دابته مسافرا . ( 2 ) وروى مسلم عن أسامة بن زيد : « الطاعون آية الرجز ، ابتلى الله به ناسا . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الطاعون شهادة لكل مسلم » رواه البخاري ، ومسلم ، والإمام أحمد . وللحديث طرق أخرى .