تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
بأرض فلا تقدموا عليه » . رواه الشيخان ، وقد سبق التنويه إلى ذلك في « الفصل الأوّل من الباب الأوّل » ، وفي نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدخول في الأرض التي حلّ بها الطاعون فائدتان ، الأولى : لئلا يستنشقوا الهواء الّذي قد عفن وفسد فيمرضون ، والثانية : لئلا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك ، فتتضاعف عليهم البلية لوجود الأمرين . وقد روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إنّ من القرف « 1 » التلف » ( والقرف مداناة الوباء ومداناة المرض ) . وقوله : « فلا تدخلوا عليه » إثبات الحذر ، والنهى عن التعرض للتلف ، وفي قوله : « فلا تخرجوا فرارا منه » إثبات التوكل والتسليم لأمر الله ؛ فأحد الأمرين تأديب وتعليم ، والآخر تفويض وتسليم . وقال الحافظ الجوزي : « إنما نهى عن الخروج لأن الأصحّاء إذا خرجوا هلكت المرضى ؛ فلا يبقى من يقوم بحالهم ؛ فخروجهم لا يقطع بنجاتهم ، وهو قاطع بهلاك من بقي ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » « 2 » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه » . والوباء مرض عام ، يفضى إلى الموت غالبا ، وسببه فساد جوهر الهواء الّذي هو مادة الروح وسبب لصلاحه ، ولذلك لا يمكن حياة الإنسان بدون استنشاق ، ومتى عدم الحيوان استنشاق الهواء وتنسّمه مات مختنقا . والوباء مضرّ بالأبدان مزيل لصحتها ، معرّض لهلاكها ، فلذلك نهاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدخول بأرض حلّ بها الوباء ، فيحرم دخولها خوفا عليهم وتعليما لهم ، وقال بعضهم : في نهيه عن الخروج منها معنيان ، أحدهما : ثقة بالله وتوكلا عليه ، فيحرم ذلك بقصد الفرار ، وقال الشيخ ابن سينا : يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية ، ويقلّل الغذاء ، ويميل إلى التدبير المجفّف من كل وجه ، ويجتنب الرياضة والحمّام ، فإنهما مما يجب أن يحذرا ؛ لأن البدن لا يخلو غالبا من فضل رديء كان فيه ، فيثيراه ، وذلك يجلب بلية عظيمة ، بل
هامش
( 1 ) في مختار الصحاح : القرف : مداناة المرض ، وفي الحديث أن قوما شكوا إليه وباء أرضهم فقال « تحوّلوا ، فإن من القرف التلف » . ( 2 ) رواه الترمذي ، والنسائي ، والبخاري ومسلم .