لأن الغرض به التأديب والزجر ، وليكون الكلام أوقع في النفس ، لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأى رجلا يسوق بدنة « 1 » ، فقال : اركبها ، فقال :
إنها بدنة ، قال اركبها ، قال : إنها بدنة ، قال في الثالثة : « اركبها ويلك » . ولقول أبى بكر الصديق رضي الله عنه لابنه عبد الرحمن لمّا لم يجده عشّى أضيافه : « يا غنثر » « 2 » .
ونهى عن انتهار الفقراء والضعفاء واليتيم والسائل ونحوهم ، بل يلين لهم القول ويتواضع معهم ، لقوله تعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
[ الضحى : 9 ، 10 ] ولقوله تعالى :
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
[ الحجر : 88 ] .
وكان أسامة أسود أفطس ، وتوفى اخر أيام معاوية سنة ثمان أو تسع وخمسين ، وقيل : توفى بعد قتل عثمان بالجرف ، وحمل إلى المدينة .
روى عنه أبو عثمان ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وغيرهما ، أخرجه ثلاثتهم .
وقد ذكر ابن منده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر أسامة بن زيد على الجيش الّذي سيّره إلى مؤتة في علته التي توفى فيها ، وهذا ليس بشيء ؛ فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استعمل على الجيش الّذي سار إلى مؤتة أباه زيد بن حارثة ، فقال : « إن أصيب فأميركم جعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب فأميركم عبد الله بن رواحة الأنصاري ، فإن أصيب فسيفتح الله على يدي رجل من المسلمين » وأشار بيده إلى خالد بن الوليد « 3 » ، فلما التقوا مع الروم وقتل زيد أخذ الراية جعفر ، فقاتل حتى قطعت يده اليمنى ، فأخذها بشماله فقاتل حتّى قطعت شماله ، فحضن الراية وقاتل حتّى قتل رضي الله عنه ، ويقال : إنه وجد فيما أقبل من بدنه أربعة وخمسون جرحا ، ما بين طعنة رمح وضربة بسيف ، وقتل في ثمانية من الهجرة .
هامش
( 1 ) بقرة .
( 2 ) الغنثرة : كثرة الشعر ، وكلمة شتم .
( 3 ) ومنه تأخذ أن تأمير خالد على هذا الجيش ، إنما كان أيضا بأمر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم .