أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعنّ الله عز وجلّ المهابة عن صدوركم ، وليقذفنّ الوهن في قلوبكم ، قيل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال : حبّ الدنيا وكراهة الموت » « 1 » .
قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : من يضمن لي خصلة أضمن له الجنة ؟ قال ثوبان : أنا يا رسول الله . قال : « لا تسل الناس شيئا » . فكان ثوبان يقع سوطه من يده فلا يقول لأحد « ناولنيه » حتى ينزل فيأخذه ، وكانت عائشة تقول : « تعهّدوا ثوبان ؛ فإنه لا يسأل الناس شيئا » .
* ومنهم أسامة بن زيد بن حارثة السالف الذكر ، ويكنى أبا محمد ، أمه أم أيمن حاضنة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو وأيمن أخوان لأمّ ، وهو مولى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من أبويه .
روى ابن عمر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ أسامة بن زيد لأحبّ الناس إليّ ، أو من أحب الناس إليّ ، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم ، فاستوصوا به خيرا » .
واستعمله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن ثماني عشرة سنة على جيش ، كما سيأتي بعد .
وروي عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : عثر أسامة بأسكفة الباب ، فشجّ في وجهه ، فقال لي رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أميطي عنه » ، فكأني تقذّرته ، فجعل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يمصّه ثم يمجّه .
وقال : « لو كان أسامة جارية لكسوته وحلّيته حتّى ينقه » « 2 » .
ولما فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ، فرض لأسامة بن زيد خمسة آلاف ، وفرض لابنه عبد الله بن عمر ألفين ، فقال ابن عمر : فضّلت عليّ أسامة ، وقد شهدت ما لم يشهد ! فقال : إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك ، وأبوه أحب إلى رسول الله من أبيك .
هامش
( 1 ) وفي رواية : « يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ، قالوا : أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن ، قالوا : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : حبّ الدنيا وكراهية الموت » .
( 2 ) النقه هنا معناه : الفهم ، والمقصود - والله أعلم - أي حتّى يبلغ ويفهم .