تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
الفضل ويتألّف أهل الشرف ، ويؤثر الداخل بوساده ، وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه ، ويعود المرضى ؛ حتى بعض الكفرة والمنافقين ، ويشهد الجنائز ، ويزور القبور ، ويسلّم عليهم ويستغفر لهم ، ولا يقام لغضبه إذا تعرّض للحق بشيء حتّى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، ولا يترك أحدا يقوم بين يديه ولا أن يمشى خلفه ، ويقول : « خلّوا ظهري للملائكة » « 1 » يخدم من خدمه ، وله عبيد وإماء ، ولا يترفع عليهم في مأكل ولا ملبس ، قال أنس : « خدمته نحوا من عشر سنين ، فوالله ما صحبته في حضر ولا سفر ولا خدمة إلا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له ، وما قال لي أف قط ، ولا قال لشيء فعلت : لم فعلت كذا ؟ ولا لشيء لم أفعله : لم لم تفعل كذا ؟ » ولا يجزى سيئة بمثلها ، بل يعفو ويصفح ، ويجود ويمنح ، وكان يأكل ما وجد ، ولا يتكلّف ما فقد ، ويحبّ اللحم ، ويعجبه الذراع ، وسمّ فيه ، والدّبّاء والعجوة والعسل والحلواء ، وأحبّ الفاكهة إليه العنب والبطيخ ، وكان أكثر طعامه التمر والماء ، وإذا لم يجد صبر ، ولا يأكل واحده ، ويعاف الضبّ ، والكلوتين « 2 » ، وأتي بلبن وعسل وقال : « أدمان في إناء ؟ لا اكله ولا أحرّمه » ويأكل بثلاثة أصابع ويستعين بالرابع ، ويتبع ما سقط من السفرة ، ويقول من فعله غفر له ، ويسمّى الله أولا ويحمده آخرا ، ويأكل مقعيا لا متكّئا ، ويقول : « اكل كما يأكل العبيد ، وأجلس كما يجلس العبيد » ، وقوله كما يأكل العبيد : أي كأكل العبد في هيئة التناول ومصاحبة الرضا بما حضر تواضعا لله ، لا كما يأكل أهل الكبر ، وأهل الشّره ، فالمراد بالعبد هنا الإنسان المتذلل المتواضع لربه ، كما قاله المناوي ، وقوله : وأجلس أي في حالة الأكل كما يجلس العبد ، أي لأن التخلق بالأخلاق العبدية أشرف الأوصاف ، لا كما يجلس أهل الكبر وأهل الشره من الاتّكاء ، وما أكل قطّ ذا رائحة كريهة لنزول الملك عليه بالوحي ومجالسته ، بل ولغير الملك من نسائه والناس . ولا يجمع بين لبن وسمك ، ولا لبن وحامض ، ولا بين حارّين ولا باردين ، ولا قابضين ومسهلين ، ولا غليظين ، ويدفع ضرر
هامش
( 1 ) رواه ابن سعد ، ولفظه : « امشوا أمامي : خلوا ظهري للملائكة » . ( 2 ) ولم يحرّمهما « أما الضب فلأنه ليس مما يأكله قومه » وفي الأصل « الطحال » ولعله كان يعاف الطحال كذلك والتصحيح من « الشمائل » للترمذي ، وأما الكلوتين فلمكانهما من البول .