تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
ويقال إنها خاطبته بقولها :
خذ العفو وأمر بعرف كما * أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لجمع الأنام * فمستحسن من ذوي الجاه لين
وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يولّى من الناس خيارهم ، والّذي يليه منهم خيارهم ، وكان أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة ، وما انتهر خادما ولا قال له في شيء صنعه لم صنعته ؟ ولا في شيء تركه لم تركته ؟ بل يقول « لو قدّر يكون » ، ولا ضرب بيده أحدا إلا في الجهاد . ولما قيل له ادع على الكفار ، قال : « إنما بعثت رحمة ، اللهمّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون » . وكان عنده القريب والبعيد ، والقوى والضعيف في الحق سواء ، ويؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم ، ولم يكن فحّاشا ( من باب النسب « 1 » ) أي وليس بذى فحش أي لا يصدر عنه ، وليس من باب المبالغة حتّى تكون منفية لإشعاره ببقاء أصل الفحش ، وهو ظاهر البطلان ، فهو من باب قوله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] أي بذى ظلم ، لا أن كثرة الظلم هي المنفية وأصل الظلم موجود ؛ إذ هو مستحيل عليه تعالى . ولا لعّانا ، ولا بخيلا ، ولا جبانا ، ولا سخّابا في الأسواق ( بالسين المهملة والخاء المعجمة وهو لغة ربيعة ) والسخب هو : رفع الصوت ، أي لا كثيره ولا قليله ، والمراد نفيه مطلقا . والمعنى وصفه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه ليس عنده رغبة في الدنيا وتحصيلها ، بحيث يصرف زمانه في تحصيلها بالجدّ في ذلك والإكثار منه في الأسواق ، فلا ينافي أنه عليه الصلاة والسلام تجر لخديجة رضي الله عنها « 2 » فكيف يكون ذلك ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « اتّقوا الله وأجملوا في طلب الدنيا فإنّ كلّا ميسر لما خلق له « 3 » » ولا يواجه أحدا بما يكره ، يكرم أهل
هامش
( 1 ) أي لا ينسب إلى الفحش ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الله لا يحب كل فاحش متفحش » . ( 2 ) هذا قبل ( الرسالة ) أما بعدها فمما أفاء الله عليه . ( 3 ) رواية ابن ماجة والطبراني والحاكم ، والبيهقي ولفظها : « أجملوا في طلب الدنيا ؛ فإن كلّا ميسر لما كتب له منها » . كذا في الفتح الكبير ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلّ ميسر لما خلق له » رواه أحمد وأبو داود والترمذي .