تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
بنيّ اجتنب كلّ ذي بدعة * ولا تصحبن من بها يوصف
فيسرق طبعك من طبعه * وأنت بذلك لا تعرف
وقد سئل الشمس الرملي : كيف كان جبريل يقرئ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فأجاب بأنه كان يقرأه عليه أولا ليعلّمه إياه ، ثم بعد ذلك كان يدارسه القرآن ، بأن يقرأ هذا على هذا والآخر كذلك . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها ، إلا أن تنتهك حرمات الله ، فيغضب لله ، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد ، وكان أرجح الناس عقلا وأفضلهم ، يكثر الذكر ويطيل الصمت ، دائم البشر ، وكان أصدق الناس وأوفاهم ذمة ، وأوسعهم صدرا وأكرمهم عشيرة ، وأحسنهم خلقا ، وإذا انتهى إلي قوم جلس حيث ينتهى به المجلس ، يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم ، ويكرم كلّ كريم قوم ويولّيه عليهم ، ويثنى على مكارم الأخلاق ، فأثنى بذلك علي حاتم الطائي حين تعرفت إليه ابنته بأبيها ، وذلك أنها سبيت في جمع من نساء قومها في غزوة هوازن ، فلما خرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من المسجد قامت إليه فقالت : « يا محمد مات الوالد وغاب الوافد ، فلا تشمت بي أحياء العرب ، فإني ابنة من كان يقرى الضيف ويفك العاني ، ويطلق الأسير ويعطى السائل » فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : من أبوك ؟ فقالت : حاتم الطائي ، قال : « خلّوا عنها إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق » فأثنى على أبيها مع كفره ، وخلّى عن ابنته ومن معها لأجله ، فهذه آثار صنائع المعروف مع الكفر والعصيان ، فكيف مع الطاعة والإيمان ! ! ؟ . قيل : إن ابنة حاتم الطائي دعت لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم حين منّ عليها بالخلاص من الأسر فقالت : « شكرتك يد افتقرت بعد غني ، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر « 1 » ، وأصاب الله بمعروفك مواضعه ، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ، ولا سلبت نعمة عن كريم إلا وجعلت سببا لردّها » .
هامش
( 1 ) لأن اليد التي افتقرت بعد غنى هي أليف الكرم ، والأخرى والعياذ بالله أليف الفقر وضجيعه ، أرضعها بلبانه .