تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
العاقب عبد المسيح ( من كندة ) وأسقفهم أبو حارثة بن بكر بن وائل ، والسيد ( الأيهم ) ، وجادلوا عن دينهم ، فنزل صدر سورة آل عمران ، وأية المباهلة ، فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم المباهلة عن أمر ربه
. . . تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
« 1 » فقال عبد المسيح لقومه : « لا تباهلوا محمدا ؛ فإني أرى معه وجوها « 2 » لو أقسمت علي الله أن يزيل الجبال لأزالها ، فتهلكوا إلى اخر الأبد » . فأبوا المباهلة وأشفقوا منها ، وسألوا الصلح ، وكتب لهم به علي ألف حلة في صفر ، وألف في رجب ، وعلي دروع ورماح وخيل ، وحمل ثلاثين من كل صنف ، وطلبوا أن يبعث معهم واليا يحكم بينهم ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ، ثم جاء العاقب والسيد وأسلما ، وقد أشار إلى ذلك الصفيّ الحلّى في بديعيته ، في مبحث العنوان ، حيث قال مشيرا إلى هذه القصة :
والعاقب الحبر من نجران ، إنّ له * يوم التباهل عقبي زلّة القدم
والمباهلة : الملاعنة ، قال جرير :
لو أنّ تغلب جمعت أحسابها * يوم التّباهل لم تزن مثقالا
وهذا البيت من النزاهة ( نوع من الهجاء ) ، وهي عبارة عن الإتيان بألفاظ غير سخيفة تكون من أحسن الهجاء الّذي إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يعدّ من مثلها قبيحا . وهذه الواقعة مما يدل دلالة قطعية على نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم من وجهين : أحدهما أنه خوّفهم بنزول العذاب عليهم لوثوقه بذلك ، وإلّا لأفحم إذا لم ينزل العذاب عليهم ، وثانيهما أنّ تركهم مباهلته يدل على أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يفيد نبوته ، وإلا لما أحجموا عن مباهلته ، ويدل على تيقنهم هذا أنه قد نقل عنهم أنهم
هامش
( 1 ) آل عمران : 61 . ( 2 ) جمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عليا ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين وقدّمهم أمامه ، وجمعهم في كساء ، وقال : « اللهم إن هؤلاء أهل بيتي » فلما رآهم العاقب رجع فزعا وقال ما قال .