[ التامر على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في دار الندوة ] :
ثم لما رأت قريش أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قد صارت له شيع وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ، ورأوا خروج شيعته وأصحابه « 1 » من المهاجرين إليهم تحدّوا خروجه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاجتمعت قريش في دار الندوة للمشاورة في إخراجه أو حبسه أو قتله ، وهي دار قصى بن كلاب ، وهو أوّل من بناها ، وكانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها ، ومنعوا الناس من الدخول إليهم ، لئلا يدخل أحد من بني هاشم ، فيطّلع علي حالهم ، فلما قعدوا للتشاور تزيّا « * » لهم إبليس بصورة شيخ نجدى متطيلس » « 2 » فوقف علي الباب ، فلمّا رأوه قالوا : من الشيخ ؟ قال : شيخ من أهل نجد ، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ، ولن تعدموا منى رأيا ونصحا قالوا : ادخل .
فدخل ، وكان قد اجتمع فيها أشراف قريش من كل قبيلة .
فزعم ابن دريد في « الوشاح » « 3 » أنهم كانوا خمسة عشر رجلا ، وقال ابن دحية في « مولده » : إنهم كانوا مائة رجل . ثم شرعوا في الكلام فقال بعضهم : إن هذا الرجل - يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم - قد كان من أمره ما كان ، وإنّا لا نأمن منه الوثوب علينا بمن اتبعه ، فأجمعوا فيه رأيا ، فقال بعضهم : رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدّوا وثاقه ، وتسدّوا بابه ، غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتربصوا به ريب المنون حتّى يهلك فيه ، كما هلك من الشعراء من كان قبله ، كزهير والنابغة . فصرخ الشيخ النجدي ( عدو الله ورسوله ) فقال : بئس الرأي ؛ والله لو حبستموه لخرج أمره من وراء الباب إلى أصحابه فوثبوا وانتزعوه من أيديكم ،
هامش
( 1 ) في الأصل : « شيعة أصحابه » وبهذا يكون المعنى أصحاب أصحابه ، وهو غير مستقيم المعنى ، فأصلحناه إلى ما تري .
( 2 ) متطيلس : أي يلبس طيلسانا وهو ضرب من الأوشحة يحيط بالبدن أو يلبس على الكتف ، خال من التفصيل والحياكة .
( 3 ) من كتب ابن دريد المفقودة . راجع كتاب ابن دريد حياته وتراثه ، للدكتور السنوسي نشر مكتبة الآداب ص 122 - 131 .
* أي ظهر لهم في زي شيخ نجدى .