قالوا : صدق الشيخ ، وقال بعضهم : رأيي أن تحملوه علي جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضرّكم ما صنع ، واسترحتم . فقال الشيخ : والله ما هذا لكم برأي ؛ ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على قلوب الرجال مما يأتي به ، فوالله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتّى يبايعوه ، ثم يسير بهم حتّى يطأكم بهم . فقالوا : صدق الشيخ ، فقال أبو جهل : أرى أن يعطى خمسة رجال من خمس قبائل سيفا فيضربونه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه في هذه البطون ، فلا يقدر بنو هاشم على حرب قومهم جميعا ، فصوّب الشيخ النجدي قول أبى جهل . فتفرقوا على رأيه مجمعين على قتله ، فأخبر جبريل بذلك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان مما أنزل عليه في ذلك اليوم
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[ الآية 3 سورة الأنفال ] وقوله عز وجل
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
[ الآية 30 سورة الطور ] .
* ولما استقر رأي قريش بعد المشاورة على قتله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أتاه جبريل وأخبره بذلك ، وقال : لا تبت هذه الليلة علي فراشك الّذي كنت تبيت عليه ، وقال له : إن الله يأمرك بالهجرة إلى المدينة ، ثم سأل جبريل عمّن يهاجر معه ، قال : « أبو بكر الصدّيق » ، فمن ذلك سمّاه الله صديقا ، وقد سبق أن سبب تسميته صدّيقا في المعراج بقوله لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « صدقت في كل ما تخبر به » ، فلعل هذا سببا ثانيا لتأكيد التسمية بالصدّيق وتحقيقها . فلما كان الليل اجتمعوا علي بابه يرصدونه حتّى ينام ، فيثبوا ، أي ينهضوا ويقوموا عليه ، وهو إذ ذاك داخل الدار ، فأمر عليه الصلاة والسلام عليا فنام مكانه ، وغطّى ببرد أخضر ، وكان أول من شرى نفسه ، ونزل فيه قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
[ الآية : 207 سورة البقرة ] .
وذكر الغزالي في « الإحياء » بأن الله تعالى أمر جبريل وميكائيل أن يهبطا إلى