سمعتني أقول اسقوني ماء فأخرج عليه فاضربه . فجلس عبيد اللّه على فراش شريك وقام على رأسه مهران ، فقال : اسقوني ماء . فأخرجت جارية بقدح فرأت مسلما فزالت ، فقال شريك : اسقوني ماء ، ثم قال الثالثة : ويلكم تحموني الماء اسقونيه ولو كانت فيه نفسي . ففطن مهران فغمز عبيد اللّه فوثب ، فقال شريك : أيها الأمير إني أريد أن أوصي إليك . قال : أعود إليك . فجعل مهران يطرد به وقال :
أراد واللّه قتلك . قال : وكيف مع إكرامي شريكا وفي بيت هانئ ويد أبي عنده « 1 » فقال له مهران : هو ما قلت لك .
ثم إنه قام فانصرف ، فخرج مسلم فقال له شريك : ما منعك من قتله ؟ فقال :
خصلتان أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في بيته ، والأخرى فحديث حدثنيه الناس عن النبي صلى اللّه عليه وآله أن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن . فقال له شريك : لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا « 2 » .
أقول : الفتك بالفاء والكاف ، وما في بعض النسخ الفتل فهو تصحيف ، والمراد أن المؤمن لا يقتل أحدا غيلة وفتكا .
قال ابن أبي الحديد في بيان عدم احتراس أمير المؤمنين عليه السلام مع أنه كان يعلم كثرة أعدائه : لم تكن العرب في ذلك الزمان تحترس ولا تعرف الغيلة والفتك وكان ذلك عندهم قبيحا يعير به فاعله لأن الشجاعة غير ذلك والغيلة فعل العجزة من الرجال .
وقال ابن نما : فلما خرج ابن زياد دخل مسلم والسيف في كفه ، قال له شريك : ما منعك من الأمر ؟ قال مسلم : هممت بالخروج فتعلقت بي امرأة وقالت :
نشدتك اللّه ان قتلت ابن زياد في دارنا ، وبكت في وجهي فرميت السيف وجلست .
قال هانئ : يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها والذي فرت منه وقعت فيه . انتهى « 3 » .
هامش
( 1 ) الطبري 7 / 244 .
( 2 ) الطبري 7 / 249 ، الكامل 4 / 26 - 27 .
( 3 ) مثير الأحزان .