وقد ذكر أصحابنا رضوان اللّه عليهم لهانئ بن عروة زيارة يزار بها إلى الآن صريحة في أنه من الشهداء السعداء الذين نصحوا للّه ولرسوله ومضوا في سبيل اللّه برحمة منه ورضوانه ، وهي هذه : سلام اللّه العظيم .
وساق الزيارة إلى آخرها « 1 » ثم قال : ويبعد أن يكون مثل هذا عن غير نص وارد وأثر ثابت ، ولو لم يكن ذلك منصوصا ففيما ذكروه رحمة اللّه عليهم شهادة منهم بشهادته وسعادته ونبله وجلالته وحسن خاتمته ، وقد وجدنا شيوخ أصحابنا كالمفيد رحمه اللّه وغيره يعظمونه في كتبهم ويعقبون ذكره بالترضية والترحم ، ولم أجد أحدا من علمائنا طعن عليه أو غمز فيه .
وأما ما يظهر من الأخبار من دخول هانئ على ابن زياد حين أتى الكوفة واختلافه إليه فيمن اختلف من أعيانها وأشرافها حتى لجأ إليه مسلم بن عقيل ، فلا يقتضي طعنا فيه ، لأن أمر مسلم كان مبنيا على التستر والاستخفاء وكان هانئ رجلا مشهورا يعرف ابن زياد ويصادقه ، فكان انزواؤه عنه يحقق عليه الخلاف وهو خلاف ما كانوا عليه من التستر فلذا لزمه الاختلاف إليه دفعا للوهم ، فلما لجأ إليه مسلم انقطع عنه خوفا وتمارض حتى يكون المرض عذرا ، فجاءه من الأمر ما لم يكن في حسبانه .
وأما نهيه مسلما عن التعجيل في الخروج فلعله رأى أن المصلحة في التأخير حتى يتكاثر الناس ويكمل البعيد « 2 » ( العدد ظ ) ويصل الحسين عليه السلام إلى الكوفة ويتهيأ لهم الأمر بسهولة ويكون قتالهم مع الإمام عليه السلام مرة واحدة .
وأما منعه من قتل ابن زياد في داره فقد عرفت اختلاف الأخبار في ذلك ، وفي بعضها أنه هو الذي أشار بقتله وتمارض لابن زياد حتى يأتيه عائدا فيقتله مسلم ، وقد مضى اعتذار مسلم تارة بتعلق المرأة به وبكائها في وجهه ومناشدتها له
هامش
( 1 ) الزيارة مذكورة في البحار 100 / 429 .
( 2 ) في المصدر : وتكمل البيعة وهو الصحيح ظاهرا .