السماء يموتون وأهل الأرض لا يبقون ، وكل شيء هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون . فأين أبي وجدي اللذان هما خير مني ، فلي بهما ولكل مؤمن أسوة حسنة .
وعزّاها ، ثم قال لها : بحقي عليك يا أختاه ، إذا أنا قتلت فلا تشقّي عليّ جيبا ولا تخمشي عليّ وجها « 1 » . ثم ردّها إلى خدرها .
( وروي ) أنه لما سمعت ذلك أخته زينب أو أم كلثوم جاءت إلى الحسين عليه السّلام وقالت : يا أخي هذا كلام من أيقن بالموت ، قال : نعم يا أختاه . قالت : إذن فردّنا إلى حرم جدنا . فقال : يا أختاه لو ترك القطا ( ليلا ) لنام . فقالت : واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة ، مات جدي رسول اللّه ومات أبي علي وماتت أمي فاطمة ومات أخي الحسن ، وبقي ثمال أهل البيت ، واليوم ينعى إليّ نفسه . وبكت ، فبكت النسوة ولطمن الخدود وشققن الجيوب ، وجعلت أخته تنادي : وا محمداه وا أبا القاسماه ، اليوم مات جدي محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم . وا أبتاه وا علياه ، اليوم مات أبي علي . وا أماه وا فاطماه ، اليوم ماتت أمي فاطمة . وا أخاه وا حسناه ، اليوم مات أبي علي . وا أماه وا فاطماه ، اليوم ماتت أمي فاطمة . وا أخاه وا حسناه ، اليوم مات أخي الحسن .
وا أخاه وا حسيناه ، وا ضيعتنا بعدك يا أبا عبد اللّه . فعزّاها الحسين وصبّرها ، وقال :
يا أختاه تعزّي بعزاء اللّه ، وارضي بقضاء اللّه ، فإن أهل السماء يفوتون ، وأهل الأرض يموتون ، وجميع البرية لا يبقون ، وكل شيء هالك إلا وجهه ، فتبارك اللّه الّذي إليه جميع الخلق يرجعون ، فهو الّذي خلق الخلق بقدرته ، ويفنيهم بمشيئته ، ويبعثهم بإرادته . يا أختاه كان جدي وأبي وأمي وأخي خيرا مني وأفضل ، وقد ذاقوا الموت وضمّهم التراب ، وإن لي ولك ولكل مؤمن برسول اللّه أسوة حسنة .
ثم قال عليه السّلام : يا زينب ويا أم كلثوم ويا فاطمة ويا رباب ، أنظرن إذا أنا قتلت فلا تشققن عليّ جيبا ، ولا تخمشن عليّ وجها ، ولا تقلن فيّ هجرا .
( وفي تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ص 243 ) عن زين العابدين عليه السّلام أن الحسين عليه السّلام قال هذه الأبيات عشية اليوم التاسع من المحرم .
قال علي بن الحسين عليه السّلام : إني لجالس في العشية التي قتل أبي الحسين بن علي عليهما السّلام في صبيحتها ، وعندي عمتي زينب تمرّضني ، إذ دخل أبي وهو يقول :
[ يا دهر أفّ لك من خليل ] . . . إلى آخر الأبيات المتقدمة .
هامش
( 1 ) مقتل الحسين لأبي مخنف ص 50 ، وأورد المقرم نظير هذا الكلام ص 264 في ليلة عاشوراء منقولا عن اللّه وف . ولدى الرجوع إلى اللّه وف ص 45 تبيّن أنه أورده هنا أول نزوله عليه السّلام كربلاء .