والقيام ، لا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها ، فإنّ كل ما اشتغلت به عن اللّه يضرّ ويفنى ، وكل ما اشتغلت به من أسباب الآخرة ينفع ويبقى ، والسلام .
فلما قرأ يزيد كتاب ابن عباس أخذته العزة بالإثم ، وهمّ بقتل ابن عباس ، فشغله عنه أمر ابن الزبير ، ثم أخذه اللّه - بعد ذلك بيسير - أخذا عزيزا .
603 - نصيحة عبد اللّه بن عباس للحسين عليه السّلام وفيها يتخوّف عليه من أهل الكوفة ويدعوه للبقاء في مكة :
( مقتل الخوارزمي ، ج 1 ص 216 )
وقدم ابن عباس في تلك الأيام إلى مكة ، وقد بلغه أن الحسين عزم على المسير ، فأتى إليه ودخل عليه مسلّما . ثم قال له : جعلت فداك ، إنه قد شاع الخبر بين الناس وأرجفوا بأنك سائر إلى العراق ، فبيّن لي ما أنت عليه . فقال : نعم قد أزمعت على ذلك في أيامي هذه إنشاء اللّه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . فقال ابن عباس : أعيذك بالله من ذلك ، فإنك إن سرت إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم واتقوا عدوهم ، ففي مسيرك إليهم لعمري الرشاد والسداد ، وإن سرت إلى قوم دعوك إليهم وأميرهم قاهر لهم ، وعمّالهم يجبون بلادهم ، فإنما دعوك إلى الحرب والقتال . وأنت تعلم أنه بلد قد قتل فيه .
أبوك ، واغتيل فيه أخوك ، وقتل فيه ابن عمك « 1 » وقد بايعه الناس ، وعبيد اللّه في البلد يفرض ويعطي ، والناس اليوم عبيد الدينار والدرهم ، فلا آمن عليك أن تقتل .
فاتّق اللّه والزم هذا الحرم ، فإن كنت على حال لا بدّ أن تشخص ، فصر إلى اليمن ، فإن بها حصونا لك ، وشيعة لأبيك ، فتكون منقطعا عن الناس . فقال الحسين عليه السّلام : لا بدّ من العراق ! . قال : فإن عصيتني فلا تخرج أهلك ونساءك ، فيقال إن دم عثمان عندك وعند أبيك ، فوالله ما آمن أن تقتل ونساؤك ينظرن كما قتل عثمان . فقال الحسين عليه السّلام : والله يا بن عم لأن أقتل بالعراق أحبّ إليّ من أن أقتل بمكة ، وما قضى اللّه فهو كائن ، ومع ذلك أستخير اللّه وأنظر ما يكون .
وفي ( تذكرة الخواص ) لسبط ابن الجوزي ، ص 250 :
هامش
( 1 ) يقصد به مسلم بن عقيل . ويستفاد من هذا الكلام أن الحسين عليه السّلام علم بمقتل مسلم وهو في مكة ، مع أن مسلما استشهد يوم التروية في اليوم الّذي سار فيه الحسين عليه السّلام إلى العراق .
وتدل الروايات المؤكدة على أنه عليه السّلام لم يبلغه ذلك إلا وهو في منتصف الطريق في ( زرود ) .